وفي تقديري أن مقصد"الحضارة"أكثر شمولا من ناحية وأكثر التصاقا بنص القرآن من ناحية أخرى في تحديده للغرض من نزول آدم وزوجه إلى"الأرض"، حسبما قدمناه ، وهو المقصد الذي يفترض أن ينتقل بالمقاصد الخمسة - في حالة تغلغله فيها - من حالة السكون والكمون إلى حالة الحركة والحياة .
وفي رأيي أنه لم يبدأ التداعي في هذا المشروع بعد أن تم إنجازه تاريخيا إلا بدخول التفكك في هذه الثلاثية التى قام عليها المشروع . التفكك في ثلاثية العلم والعمل والإيمان . وقد جاء هذا التفكك على مرحلتين: أولاهما مبكرة على يد الفلسفة اليونانية: في التفكك بين العلم والعمل ، وثانيتهما جاءت متأخرة على يد العلمانية: في التفكك بين العلم والعمل من ناحية و الإيمان من ناحية أخرى ، وفي المرحلتين جاء المرض من الغرب
في مرحلة التفكك الأولى جاء هذا المرض الحضاري من الفلسفة اليونانية التي انفتح لها المسلمون من نافذة"العلم"والشغف بالمعرفة . واستشرى هذا المرض عن طريق"المتكلمين"الذين خاضوا بحسن نية في مباحث نظرية لا صلة لها بالعمل ، كالعلاقة بين الذات الإلهية والصفات ، وخلق الأفعال ، وخلق القرآن ، والجوهر والعرض .. الخ ، ومن هنا بدأ التداعي .
ومن عجب أن الحضارة الغربية المعاصرة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بالتمرد على هذا التراث اليوناني والأخذ بالمنهج التجريبى كصورة من صور الربط بين العلم والعمل: درسًا تلقته عن الحضارة الإسلامية .
نختار هنا من بين شهادات كثيرة شهادة برتراند راسل ، حيث يذكر أن هناك اتجاها فكريا في أوربا ، ( يعتبر سلطان القدماء اليونان كابوسا جاثما ، ويذهب إلى أن من الأفضل اليوم أن ننسى معظم ما أضافوه إلى الفكر ) أنظر تاريخ الفلسفة الغربية ج1 ص 73
وهو يرى أن اليونان ( استكشفوا الرياضة وفن التدليل القياسي وابتكروا الهندسة ، إلا أن ضيق نظر اليونان وانحصاره في جانب واحد يظهر في الرياضة ، فتفكير اليونان كان يتجه بهم في التدليل على نحو قياسي يبدأ بما يظهر لهم أنه بديهي ، ولم يكن تفكيرهم يسير سيرا استقرائيا ، بادئا مما شاهدته الحواس ) .
ثم يقول في عبارة صريحة إنه ( على الرغم من أن فئة قليلة منهم هم الذين أشرقت عليهم أشعة المنهج العلمي لأول مرة إلا أنهم بصفة إجمالية لم يكونوا يستسيغون المنهج العلمي بطبيعة عقولهم ) المصدر السابق ص 64
وفي عبارة أكثر صراحة يقول عن تطور نظرة قدماء فلاسفة اليونان إلى القول برجوع المادة إلى العناصر الأربعة: التراب والنار والهواء والماء: .. يقول: ( هاهنا عند هذا الحد وقفت كيمياء القدماء وقفة الأموات ، ولم يخط هذا العلم خطوة أخرى حتى أخذ الكيميائيون المسلمون في بحثهم عن حجر الفيلسوف وإكسير الحياة .. ) المصدر السابق ص 80-81
ولكن هذا العجب يلحقه الأسى إذ أن هذه الحضارة الغربية لم تكمّل الدائرة الثلاثية فاستبعدت عنصر الإيمان: ربطت بين العلم والعمل من جانب ، ولكنه فصلت بينهما وبين الإيمان من جانب آخر ، وقامت على العلمانية .
وحيث استفادت من الحضارة الإسلامية الربط بين العلم والعمل صدرت إلينا الفصل بينهما وبين الإيمان ، في صيغة العلمانية التي استبعدت الدين ، فجمعنا بين السوءتين: فصل قديم بين العلم والعمل ، وفصل حديث بينهما وبين الدين ، فكانت قاصمة الظهر ، بينما انطلقوا هم وقد ربطوا بين العلم والعمل وعلى أكتافهم سوءة واحدة - هي العلمانية - تظهر آثارها بعد حين .
ومن هنا تتضح الفروق الذاتية بين المشروع الذي قامت ـ وتقوم ـ عليه الحضارة الإسلامية وبين مشروع قامت عليه الحضارة الغربية المعاصرة . يتضح الفرق أساسًا في أن هذه الحضارة الغربية قامت في جوهرها نقضا من ناحية مباشرة ،ولكن تأكيدًا ضمنيا من ناحية أخرى للمشروع الأصلى للحضارة"أن الحضارة لله".
.والمسلمون اليوم مدعوون إلى مشروعهم الأصلى الذي"جُعلوا"له، لا إلى مشروع آخر هو في ذاته نقض لذات المقصد الشرعي: نقض لذاتية الحضارة الإسلامية . والله أعلم