رئيسي:تربية:
يتناول الدرس أهمية علو الهمة وما هو علو الهمة ووسائل ترقية الهمة والنهوض بها، والعلامات الدرالة على علو الهمة، والعلامات الدالة على سفول الهمة،و كيفية استثمار همة الناس، ثم ذكر محاذير موجهة لأهل الهمّة العالية ليجتنبوها .
معنى الهمة: جاء في 'القاموس':'هـ م م': 'ما هُمَّ به من أمر ليفعل'. فالهمة هي الباعث على الفعل، وتوصف بعلو أو سفول، فمن الناس من تكون همته عالية علو السماء، ومنهم من تكون همته دنيئة سافلة، تهبط به إلى أسوأ الدرجات.
? وعرف بعضهم علو الهمّة فقال
:'هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور'.
قال ابن القيم رحمه الله ، واصفًا الهمّة العالية: 'علو الهمّة ألا تقف - أي النفس- دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظها من الله، وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية. فالهمّة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمّة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، ولكما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان'.
? وقد حذر السلف كثيرًا من سقوط الهمّة وقصورها: فقد قال الفاروق عمر رضي الله عنه:'لا تصغرن همتك، فإني لم أر أقعد بالرجل من سقوط همته'.
وقال ابن نباته:
حاول جسيمات الأمور ولا تقل إن المحامد والعلى أرزاق
وارغب بنفسك أن تكون مقصرًعن غاية فيها الطلاب سباق
وقد قيل:'المرء حيث يجعل نفسه، إن رفعها ارتفعت، وإن قصر بها اتضعت'.
والهمّة قسمان:وهبية، وكسبية:
? فالوهبيّة: هي ما وهبه الله تعالى للعبد من علو الهمّة، أو سفولها، ويمكن أن تنمى وترعى، أو تهمل وتترك.
? فإن نماها صاحبها وعلا بها صارت كسبية: أي أن صاحب الهمّة كسب درجات عالية لهمته، وزاد من أصل مقدارها الذي وهبه الله إياه، وإن تركها وأهملها ولم يلتفت إليها خبت وتضاءلت، والهمّة في هذا تشترك مع باقي الصفات العقلية والخلقية كالذكاء وقوة الذاكرة وحسن الخلق وغير ذلك مما هو معلوم بدهي.
قال ابن الجوزي رحمه الله:'وقد عرفت بالدليل أن الهمّة مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حثت سارت، ومتى رأيت في نفسك عجزًا فسل المنعم، أو كسلًا فالجأ إلى الموفق، فلن تنال خيرًا إلا بطاعته، ولا يفوتك خير إلا بمعصيته'.
مراتب الهمم:الناس متفاوتون في أمرين:مطالبهم وأهدافهم..والهمم الموصلة إلى هذه المطالب والأهداف.
فمن الناس من يطلب المعالي بلسانه، وليس له همة في الوصول إليها، فهذا متمنِّ مغرور. ومن الناس من لا يطلب إلا سفاسف الأمور، وهم فريقان:
? فريق ذو همة في تحصيل تلك الدنايا، فتجده السباق إلى أماكن اللهو، ومغاني الغواني، وهذا إن اهتدى يكن سباقًا إلى المعالي، ذا همة عالية نفيسة: [النَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا] رواه البخاري ومسلم وأحمد.
? وفريق لا هم له، فهو معدود من سقط المتاع، وموته وحياته سواء، لا يفتقد إذا غاب، ولا يسأل إذا حضر.
? ومن الناس من تسمو مطالبه إلى ما يحبه الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وله همة عظيمة في تحصيل مطالبه وأهدافه فهنيئًا له.. وبين كل هذه الأقسام مراتب كثيرة متفاوتة.
قال ابن القيم:'لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسًا، وأعلاهم همة، وأرفعهم قدرًا؛ مَنْ لذتهم في معرفة الله ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه'.
وقال أيضًا:'ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها!، فهمة متعلقة بالعرش، وهمة حائمة حول الأنتان والحش'.
يتفاوت الناس في هممهم فتتفاوت على هذا أعمالهم وحظوظهم ودرجاتهم: وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم، فانظر إلى:
? همة ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه وقد قال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [سَلْ] فَقَالَ:' أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ' رواه مسلم والنسائي وأبوداود. وكان بعض الناس يسأله ما يملأ بطنه، أو يواري جلده.
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني لغلامه:'يا غلام: لا يكن همك ما تأكل وما تشرب، وما تلبس وما تنكح، وما تسكن وما تجمع، كل هذا هم النفس والطبع فأين هم القلب، همك ما أهمك، فليكن همك ربك عز وجل وما عنده'.
? وهذه من أعظم الوصايا للدعاة حتى لا تضعف همتهم أمام المغريات؛ لا سيما وأن من أهم صفات الداعية مخالطته للناس والتأثير عليهم، فكم من داعية انزلق في بحر هذه المغريات حتى أضحت الدعوة آخر اهتماماته.