فهرس الكتاب

الصفحة 9289 من 27345

د. صالح بن عمر*

مقدمة:

لم تحظ قضية باهتمام الشرق والغرب على المستوى الرسمي والشعبي مثل قضية العولمة باعتبارها أهم الظواهر التي تجتاح البشرية في القرن الحادي والعشرين. وأنه رغم انقسام الأرقام وتناقض المواقف حولها فقد استطاعت استقطاب الشرائح الفكرية والفئات الاجتماعية المتعددة الانتماءات والمشارب والتخصصات: من اقتصاديين وسياسيين وعلماء اجتماع، ومثقفين لايربط بينهم سوى اهتماماتهم بجملة التغييرات النوعية المتلاحقة التي يشهدها العالم في مجال الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع والبيئة، والتي تعدت نطاق الدولة، وتجاوزت الحدود، وعبر القارات. ولذا أضحت مناقشة آثارها على الاقتصاديات العربيه والاسلاميه وكذلك بقيه المجالات الاخرى امرا بالغ الأهميه

كما أنه اليوم قد تزايدت الدعوات وتكاثفت الجهود لإقامة أسواق مشتركة عربية او اسلامية وخاصة بعد ظهور مشروعات مناهضة للمشروع الإسلامي يجري التسويق لها في المنطقة وأبرزها السوق الشرق أو سطية ومشروع المتوسطية.

والإسلام برسالته الشاملة قد أولى الجانب الاقتصادي اهتماما بالغا وغاية فائقة كما أولى المصالح العامة رعاية خاصة وأننا اذا استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا من كليات دلائلها ومن جزيئاتها المستقرأة ان المقصد العام من التشريع هو حفظ نظام الامة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجدات العالم الذي يعيش فيه"وما يظن بشريعة جاءت لحفظ نظام الأمة وفقرية شوكتها إلا أن يكون لثروة الامة في نظرها المكان السامي من الاعتبار والاهتمام"ومن اعظم مقاصد المعاملات المالية الرواج وهو دوران المال بين أيادي أكثر من يمكن من الناس بوجه الحق دل عليه الترغيب في معاملة بالمال.

والسوق هو الموضع الحقيقي او الاعتبار للتعامل بين الناس، وفيها تتم المعاوضات المالية وإبرام العمليات التجارية والتجارة مرآة صادقة تعكس هيكلة الاقتصاد وقدرته وحجمه، وقد دعت النصوص الشرعية إلي العمل بالتجارة، واكتساب المال عبر الطرق المشروعة، قال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) ، وبين الجائز منها من غير الجائز فقال: (وأحل الله البيع وحرم الربا) .

وقد كانت التجارة بسيطة ثم اخذت في التطور والنمو لمواجهة تطورات العصر وتحدياته فقد أضحت الحروب الدائرة حاليًا أسواق، وما الأسباب الرئيسية للحرب العالمية الأولى والثانية الا أسبابا اقتصاية، ذلك بأن السوق هو المكان الطبيعي لنماء الاقتصاد وازدهاره، وقد حلت السيطرة على الأسواق من خلال حركة الواردات وروؤس الأموال محل القوة العسكرية وأصبحت التكتلات من أبرز سمات هذا العصر، ولعل العصب السائرة في هذه التكتلات هو الاقتصاد، فاذا كانت الدول الكبرى والعلاقة والغنية تشكل وتقيم فيما بينها أسواقا مشتركة مثل السوق الأوربية المشتركة فأولى بالدول العربية الإسلامية أن تستقبل وتسعى نحو التكامل الاقتصادي، ولعل من أولى خطوات هذا التكامل في زمن العولمة اتاحة سوق إسلامية مشتركة ولكن كيف يتم ذلك؟

تتم الاجابة عن هذا السؤال عبر المباحث الاتية:

المبحث الأول: مفاهيم ومصطلحات:

• المبحث الثاني: مبررات وأهداف.

المبحث الثالث: سبل التفعيل.

المبحث الأول:

مفاهيم ومصطلحات

أتناول في هذا المبحث مفهوم العولمة ومفهوم السوق الإسلامية المشتركة.

أولًا: مفهوم العولمة:

العولمة من العالم، ومعناه ان تتحد شعوب العالم في جميع أمورها على نحو واحد، فكأن العالم بيت واحد أو قرية واحدة، إلا أن الجدل يظل مستمرًا حول تحديد مفهوم العولمة، فضلًا عن دوافعها وأهدافها، وهو اهم جدل معاصر بدليل سيل الدراسات والعديد من الندوات والمؤتمرات المنعقدة حول العولمة، وبمختلف اللغات.

وإن صياغة تعريف العولمة تعريفًا دقيقًا تبدو شاقة لتعدد تعريفات العولمة التي تختلف باختلاف ايدولوجيات الباحثين، أو رؤيتهم السياسية، أو وجهتهم العامة التي ينحازون إليها إزاء العولمة رفضًا أو قبولًا، وقد تجاذب مفهوم العولمة ثلاثة تيارات.

-التيار الأول يرى أن العولمة هي هيمنة القوى الاقتصادية والعسكرية على الأرض، وبكلام أكثر دقة أمركة النظام الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي.

-التيار الثاني: يرى أنها عملية تبادل منافع وخبرات ومعارف بين أمم وشعوب الأرض، وتحرر وتكامل اقتصادي.

-التيار الثالث: يرى أنها ظاهرة حضارية تؤدي إلي تحويل العالم إلى قرية كبيرة تتلقى نفس التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإعلامية، وهذا كله يقود إلي الاندماج المتسارع للاقتصاد العالمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت