فهرس الكتاب

الصفحة 8414 من 27345

الصهيونيّة والعنصريّة المحصّنة(1)

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة 8/11/1425

سأتحدث في هذه العُجالة عن الدافع الأولي لهجرة اليهود لأرض فلسطين والذي يكاد يكون مغيبًا، وما حديثي عنه هنا لهذا السبب، بل لسبب آخر آمل أن أصل معكم إلى حدوده في نهاية المطاف.

البداية ستكون من روسيا، فقد حدث في شهر مارس من عام 1881م محاولة لاغتيال قيصر روسيا الاسكندر الثاني. اتُّهم اليهود بالوقوف والتخطيط لها، وعليه قامت السلطات الروسية آنذاك بحملة مضادة ضد يهود روسيا، فأصدرت في شهر مايو من عام 1882م، ما عرف بـ (قوانين مايو ) .. وإليكم بعض ما جاء فيها:

-يُمنع اليهود المقيمون في المناطق الريفية من جلب أقربائهم.

-أي يهودي يغادر قريته لا يسمح له بالعودة إليها ثانية.

-لا تجدد عقود الإيجار المبرمة مع اليهود.

-يحق للروس طرد اليهود من قراهم، بقرار من رئيس القرية.

-يُمنع تشغيل أي يهودي في المناطق الريفية.

-أي يهودي يعيش داخل روسيا، أي خارج (منطقة الاستيطان) ويقوم بتوسيع نشاطه الاقتصادي، يُعاد إلى منطقة الاستيطان فورًا.

يُمنع أي يهودي من الاستيطان في المناطق الريفية في روسيا، وتحصر إقامتهم في ( منطقة الاستيطان ) وهي منطقة بمساحة (360) ألف ميل مربع خصصتها السلطات الروسية وبشكل حصري لسكن وعمل اليهود.

تحديد الطلاب اليهود في المدارس الإعدادية وفي الجامعات، بما يحدده المجلس التعليمي الروسي.

هذه القوانين ذات الطابع العنصري (وكما يؤكد معظم المؤرخين اليهود) كانت الدافع الأولي وراء هجرة اليهود الروس، والتوجه لفلسطين العربية.

إن ( قوانين مايو ) أثارت دهشتي .. إذ كيف تحولت تلك الضحية - كما يحلو لها أن تصور نفسها - لجانٍ مستبدٍ لا يعرف أبسط مفردات الرحمة..!! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تعجبت من التوافق الواضح بين مضامين تلك القوانين -والموجهة آنذاك ضد يهود روسيا- والوضع الحالي للإنسان العربي الخاضع لسياط كيان الاحتلال الصهيوني.

ولأنه من المستبعد نقل صورة طبق الأصل للحياة المأساوية للإنسان الفلسطيني الحرّ.. الذي فضّل ظلم المحتل على مغادرة أرض أجداده .. رافضًا كل إغراء قدم له من قبل سلطة الاحتلال التي خصصت ( صندوق الهجرة ) لتقديم المساعدة المادية لكل فلسطينيي يغادر وطنه دون رجعة ، وفي الوقت نفسه سعت وبكل طاقاتها لتوسيع نطاق عمليات الهدم في الضفة والقطاع متطلعة من خلال ذلك لإبادة شعب بأكمله..

وعن هذه السياسة العنصرية كتب ميخائيل (ميكادو) فرشفسكي وثيقة وقع على بنودها عدد من اليهود: إن هذه السلطة ( تظهر وكأنها عقدت العزم على القضاء على الشعب الفلسطيني عن آخره) كما تضمنت هذه الوثيقة مطالبتهم ( بالإلغاء الفوري لجميع القوانين واللوائح والإجراءات التي تميز بين المواطنين اليهود والعرب في إسرائيل، وكذلك حل كل المؤسسات والهيئات التي تعتمد على هذه القوانين واللوائح والإجراءات) !!

فما هي تلك الإجراءات العنصرية التي يطالب بإلغائها هؤلاء المفكرون؟ هذه الإجراءات التعسفية كانت مطبقة حتى قبل عام 1948م، وإليكم ما كتبه صاحب صحيفة الكرمل اليهودية عام 1914م عن هذه السياسات العنصرية للمهاجرين الجدد: (أيَّ مزرعة اشتريتم وأبقيتم فيها على واحد من أهلها العرب؟ وهل تدلوننا على قومكم الذين يدخلون مخازن(الفلسطينيين ) ويشترون منها)؟!

إلا أن هذه السياسات العنصرية قُنّنت بعد الاحتلال الصهيوني لفلسطين أي عام 1948م؛ فقد عمل الصهاينة على حصر أكثر من ثلاثة أرباع الفلسطينيين المتبقين تحت سلطة الاحتلال في مدن وقرى ومخيمات منعزلة، كما طبقت سياسة الفصل العنصري بكل أبعاده، فهناك مدارس مميّزة لليهود، وأخرى دون أي إمكانيات للفلسطينيين، وهناك دوائر ثانوية للشؤون العربية في جميع الوزارات والمؤسسات في هذا الكيان العنصري؛ ففي كل وزارة يوجد على -سبيل المثال- مكتبان واحد رئيسي يختص باليهود وآخر ثانوي يختص بالفلسطينيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت