أ.د/ناصر بن سليمان العمر 4/1/1423
جاء في صحيح مسلم عن صهيب أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( كان مَلِكٌ فيمَنْ كان قبلكم ، وكان له ساحرٌ ، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرتُ فابعث إليّ غلامًا أعلمه السحر ، فبعث إليه غلامًا يعلمه ، فكان في طريقه إذا سلك راهب ، فقعد إليه وسمع كلامه ، فأعجبه ، فكان إذا أتى الساحرَ مرّ بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحرَ ضربه فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال: إذا خشيتَ الساحرَ فقل حبسني أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر ، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناسَ ، فقال: اليوم أعلم الساحرُ أفضل أم الراهب أفضل ؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهمّ إن كان أمر الراهبُ أحبَّ إليك من أمر الساحر فأقتل هذه الدابة حتى يمضي الناسُ ، فرماها فقتلها ، ومضى الناسُ ، فأتى الراهبَ فأخبره ، فقال له الراهب: أيْ بُنيَّ ، أنت اليوم أفضل مني ، قد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستُبتلى ، فإن ابتُليتَ فلا تدلّ عليّ ، وكان الغلامُ يُبْرئ الأكْمهَ والأبرص ويداوي الناسَ من سائر الأدواء ، فسمع جليسٌ للملك كان قد عميَ ، فأتاه بهدايا كثيرة ، فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني ، فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي اللهُ فإن أنت آمنت بالله دعوتُ اللهَ فشفاك فآمن بالله فشفاه اللهُ ، فأتى الملكَ فجلس إليه كما كان يجلس ، فقال له الملك: مَنْ ردَّ عليك بصرَكَ ؟ قال: ربّي ، قال: أوَ لكَ ربٌّ غيري ؟ قال: ربي وربك الله ، فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلَّ على الغلام ؛ فجيء بالغلام ، فقال له الملكُ: أي بني قد بلغ من سحرك ما تُبْرئُ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل ، فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي اللهُ ، فأخذه فلم يزلْ يعذبه حتى دلّ على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك ، فأبى ، فدعا بالمئشار فوضع المئشارَ في مفرق رأسه فشقّه به حتى وقع شقّاه ، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى ، فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك ، فأبى ، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه ، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ، فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه ، فذهبوا به فصعدوا به الجبلَ ، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئتَ ، فرجف بهم الجبلُ فسقطوا ، وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك ؟ قال: كفانيهم اللهُ ، فدفعهم إلى نفر من أصحابه ، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور ، فتوسطوا به البحرَ ، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به ، فقال: اللهمّ اكفنيهم بما شئتَ ، فانكفأت بهم السفينة ، فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك: ما فعل أصحابك ؟ قال: كفانيهم اللهُ ، فقال للملك: إنك لستَ بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ، قال: وما هو ؟ قال: تجمع الناسَ في صعيد واحد ، وتصلبني على جذع ثم خذ سهمًا من كنانتي،،،
ثم ضع ِالسهْمَ في كبد القوسِ ثم قل: باسم الله ربّ الغلام ، ثم ارمني ، فإنك إذا فعلتَ ذلك قتلتني ، فجمع الناسَ في صعيد واحد ، وصلبه على جذع ٍ ، ثم أخذ سهمًا من كنانته ، ثم وضع السهمَ في كبد القوس ، ثم قال: باسم الله ربّ الغلام ، ثم رماه فوضع السهمَ في صدغه ، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات ، فقال الناسُ: آمنا برب الغلام ،،، آمنا برب الغلام ،،، آمنا برب الغلام ، فأُتيَ الملكُ فقيل له: أرأيتَ ما كنتَ تحذرُ ؟ قد ، والله نزل بك حذرُك ، قد آمن الناسُ فأمر بالأخدود بأفواه السكك وأضرم النيران ، وقال: مَنْ لم يرجع عن دينه فأحموه فيها ، أو قيل له: اقتحم ، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبيٌّ لها ، فتقاعستْ أن تقع فيها ، فقال لها الغلام: يا أمّة اصبري فإنك ِ على الحقّ )) .
كلما بعد الناس عن عهد النبوة ، ازدادت حاجتهم إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة ، يتفيئون في ظلالهما ، ويشربون من معينهما ، ويهتدون بهديهما ؛ التزامًا بقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ( تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي ) ففيهما الشفاء والغناء والهدى .
وفي هذه الظروف الحرجة التي تمر بها الأمة ؛ من تكالب أعدائها عليها ورميهم إياها عن قوس واحدة ، وحيث دبّ الوهنُ واليأس في قلوب بعض المسلمين ، وآخرون حادوا عن الحكمة ، وضلوا عن سواء السبيل ، فقد قمتُ بدراسة حديث الغلام وأصحاب الأخدود ، ووجدت فيه من الوقفات والدروس والعبر ما أراه علاجًا ناجعًًاًًً لكثير من مشكلات الأمة ، ومن هنا رأيت أن أضع هذه الدراسة أمام أحبتي ؛ لتكون لهم زادًا في الطريق ، وعونًا على تخطي العقبات والصعاب ، وتجاوز بنيات الطريق ، وسلوكًا لنهج الحكمة"ومن يؤتَ الحكمة فقد آوتي خيرًا كثيرًا".
فأقول مستعينًا بالله ومتوكّلًا عليه ؛ سائلًا إياه التوفيقَ والسداد: