فهرس الكتاب

الصفحة 18119 من 27345

علاقة الزواج أمين حسن أحمد يس*

ضمّني مجلس أُنس في ساعةِ صفاءٍ مع الدكتور جعفر شيخ إدريس، وكان من المواضيع التي طرقناها موضوع (الزواج) ؛ فحدثني عن أحد الأزواج أنه تزوّج؛ ليس لرغبة في الزواج، وإنما حمله على ذلك أن الناس يتزوّجون!!..

ما أكثر أولائك الذين يقدمون على الزواج كمظهر اجتماعي، وشكل يظهرون به للناس؛ دون أن يدرون به حقيقة أو معنى؛ يأتي أحدهم وقد اختزل وجوده في جانبه الغريزي؛ معرضًا في ذلك عن إنسانيّته وعن وجوده كرجل يبحث عن امرأة، وزوج يسعى في تكوين أسرة، وأبٍ يتحمّل تكاليف الأبوّة؛ فما أن يفيق من سكرة الشهوة إلا ويفجأه أمر لم يُعِدّ له عدّته؛ ويصطدم بواقع ليس هو فيه مستعد.. أراد المسكين أن يداري فشله كإنسان بالزواج فافتضح كزوج.. وما تزايُد نسبُ الطلاق إلا مؤكدًا ودليلًا على ذلك الإخفاق الكبير الذي مُني به كثير من الأزواج؛ فلم يتتطلقا طلاق الأجساد؛ وإنما تطلقا طلاق الأرواح؛ فهام الجسد بلا روح؛ ليشبع غرائزه كيفما اتفق له؛ لأنه لم يكن قد التقى بإنسانة ليكن بينهما العفة والأمانة والوفاء والصيانة..

والذي لم يفعل هذا ولا ذاك فرَّ خارج البلاد لعشرات السنين تاركًا زوجه وولده..

والذي لم يهرب إلى الخارج هرب إلى النوادي، وجلسات السمر، و...، و...؛ ليعود آخر الليل إلى البيت الذي لا يراه بيتًا؛ فينوم نوم الجيف..

أقل القوم شرًا من يعترف أنه أخطأ بإقدامه على هذه الخطوة؛ ويكتفي بإرجاع الأم وأطفالها إلى بيت أبيها؛ لأنه عجز أن يوفر لها الجوَّ الأسري الذي كانت تعيشه؛ ليتفرغ هو لحياة التشرد والتسكع التي كان عليها!!.. المسكين لم يُعدَّ ليكون أبًا؛ ولا يعرف معنى أن يكون له بيت وأسرة!!.. إن هذا الفشل أدى بدوره إلى خروج أجيال مهزوزة؛ لا طموح لها في الحياة، ولا رغبة!!.. وليس على المجتمع إلا أن يرجع خطوات إلى الخلف باستيعابه - طائعًا أو مكرهًا - لهذه الأجيال التي تقلص في أذهانها مفهوم الأسرة؛ جراء ما لقيته إِبَّان طور نشأتها الأولى في البيوت التي كان لها جدران ولم يكن لها وجدان!!..تنشأ أجيال مهزوزة لا طموح لها في الحياةولا تعرف معنى البيت أو الأسرة.

وما عزوف الشباب عن الزواج إلا أثرًا من آثار تلك النشأة، مع عوامل أخرى!!..

ما الذي يدفعه للرغبة في الزواج وقد وجد والداه يعيشان بلا فرح ولا معنى؟!، أم كيف يجد الزواج مكانًا في نفسه ونفسه غائبة عنه؟!؛ أنّى له أن يبني بيتا في حياة لا يعرف من معانيها شيئًا؟!!..

ماذا سيبقى له بعد ذلك إلا الغريزة؛ فلا يرى في المرأة إلا الشهوة، وهي لاترى فيه غير ذلك!!.. فلماذا يقدم على الزواج إذًا؛ وفي كل يوم وليلة هو عروس يدخل على عروس؟!.. وبالمفهوم الغريزي هو أفضل ممن له عروس واحدة!!.. وإذا ما أراد الشباب تبريرًا لهذا الوهم غلّفوه وزوّقوه بالحقيقة؛ ليسرقوا من الإنسانية أول رباط مقدس؛ فيقولون هو الزواج (العرفي) !!..

ولكن يكفيك لأن تتأكد أنها ليست علاقة إنسانية: ان تنتظر حتى يولد بينهما إنسان؛ لترى على الفور: كيف يقذفون به بكل قسوة؛ ويرمونه في العراء؟!؛ ليواجه بذلك مصيرًا أسوأ مما صاروا إليه!!.. وملجأ (المايقوما) على ذلك شاهد..

دَرَجْتُ في كثير من الأحيان أن أسال الأزواج السابقين منهم واللآحقين عن المعاني التي خرجوا بها من الزواج!؛ حتى قال لي أحدهم: هل أنت قيّم على مشاعر الآخرين؟!..

إن الذي أراه هو أن معاني الحياة الزوجية لن تحصل إلا بين رجل وامرأة فَهِمَا معنى وجودهما كرجل وامرأة!!.. وغياب هذان المعنيان الأصليان هو العامل الأساس والسبب الرئيس في فشل الحياة الزوجية!!..

قال أحد الأزواج مخبرًا عن علاقته بزوجه: (أنا لا أراها امرأة، وهي لا تراني رجلًا، والذين أنجبْتُهم منها لا أحس بأنهم أولادي) !!..

امرأة ظلّت تبحث عن الرجل في ثلاثة أزواج كانت تجد مع كل واحد منهم مسحة من رجل ومسحة من إنسان وبقايا من إرث آدمي غابر، مع خصال كثيرة لا تمت إلى الرجولة بصلة قريبة ولا بعيدة ولا تنتمي إلى حقيقتها!!.. وهكذا كانت تتطلق من هذا؛ لتتزوج من ذاك؛ آملة الحصول على رجلها!!..

قلتُ: لو اجتمعتت في شخص واحد صفات الرجولة التي وجدتها لَتَكَوَّن منها الرجل الذي كانت تفتش عنه؛ ولم تحتج مع المسكينة إلى تلك التجربة المريرة التي عاشتها!.

((( الرجل ) )) كلمة لا تزال تحتفظ بسحرها وجمالها الذي لا يبلَى مع الأيام، ولكن لا يُرى ذلك السحر والجمال إلا بعين أبصرت معنى الرجولة.

إن الله سبحانه وتعالى خص هذا الإنسان من بين خلقه؛ بأن خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأودع فيه إبداعه وجماله؛ ليتجلّى هذا الإبداع والجمال في رجل؛ منتصب القوام، حسن الخلقة؛ ليدل ذلك على أن الرجولة هي أجمل ما في الإنسان، وأكمل ما في الكون!!..

والمرأة لا تفتتن ببنات جنسها قدر افتتانها بالرجل؛ لأنها تعلم في قرارة نفسها أنه أجمل منها وإن بدى في صورة ليست جميلة، وإن كانت في صورتها أجمل الجميلات..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت