د. محمد عمر دولة*
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطَّول. والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فلِلاستغفار ثِمارٌ يانعةٌ وآثارٌ نافعةٌ وبركاتٌ ظاهرةٌ، يعلمها من وفَّقَه الله إلى الإكثارِ من الاستغفارِ فأقبلَ على العزيز الغفَّار؛ معترفًا بالمعاصي والأوزار، ذليلَ القلب مُتبرِّئًا من كل ذنب، يلهج بالتوبة: يا رب يا رب!
وما أحسنَ ما رواه القرطبي عن الحسن بن الفضل في تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجل: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران 135) . أنه قال:"وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ"أنَّ لهم رباًّ يغفر الذنب"! [1] قال القرطبي رحمه الله:"وهذا أخذَه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه عزَّ وجل قال: (أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب أغفر لي ذنبي فذكر مثله مرتين وفي آخره اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك) أخرجه مسلم... ودلت الآيةُ والحديثُ على عظيمِ فائدةِ الاعترافِ بالذنب والاستغفارِ منه قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبِه ثم تاب إلى الله؛ تاب الله عليه) أخرجاه في الصحيحين، وقال:
يستوجب العفو الفتى إذا اعترفْ ** بما جنى من الذنوب واقترفْ
وقال آخر:
أقْرِرْ بذنبِك ثم اطلبْ تجاوُزَه ** إنَّ الْجُحُودَ جُحودَ الذنبِ ذنبان!
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهبَ الله بكم وجاء بقوم يُذنِبُون ويستغفرون؛ فيغفر لهم) ؛ وهذه فائدة اسم الله تعالى (الغفار) و (التواب) ". [2] "
فطُوبَى للمُستغفِرين الذين أثنى عليهم ربُّهم بأنهم: ( كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الذاريات 17-18) 0 ومَدَحَهم بأنهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (السجدة 16-17) 0
شدةُ عِنايةِ السلفِ بالاستغفارِ:
وقد عظمت عِنايةُ السلفِ بالاستغفارِ مع كَوْنِهم من الأبرار؛ لأنهم أكثرُ الناسِ عِلمًا بربِّهم وأعلمُ بذُنوبِهم وعُيوبِهم، وأعظمُ محاسبةً لأنفسهم؛ فهم من الممدوحين المحمودين، كما قال الله عزَّ وجل في صفات المتقين: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (آل عمران 135-136) .
قال القرطبي رحمه الله: فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ أي: طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم، وكلُّ دعاءٍ فيه هذا المعنى أو لفظه فهو استغفارٌ. وقد تقدم في صدر هذه السورة [3] سيد الأستغفار وأن وقته الأسحار؛ فالاستغفارُ عظيمٌ وثوابُه جَسِيم؛ حتى لقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَن قال: أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ غفر له وإن كان قد فرَّ من الزحف) ، وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ما رأيتُ أكثرَ استغفارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم! وقال مكحول: ما رأيتُ أكثرَ استغفارًا من أبي هريرة، وكان مكحولُ كثير الاستغفار". [4] "
وللاستغفارِ: آثارٌ عَقديةٌ، وثِمارٌ نفسيةٌ واجتماعيةٌ.
(1) الثمار العقدية للاستغفار
فللاستغفارِ آثارٌ عقديَّةٌ وثمارٌ إيمانيةٌ جليلةٌ: منها: إنابة العبدِ إلى ربِّهِ، واعترافه بذنبه وإقراره بـ (أن له ربًّا يغفر الذنوب) ، وتربية الخشوع والخضوع في نفس المسلم، وتلذُّذِه بالتذلُّل بين يدي ربِّه كما قال نبي الله صالح عليه السلام: ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ) (هود 61) .