فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال السعدي رحمه الله:"أي: فَاسْتَغْفِرُوهُ مِمَّن دعاه دُعاءَ مسألة أو دُعاءَ عِبادةٍ يجيبه بإعطائه سُؤالَه وقبولِ عِبادتِه وإثابتِه عليها أجلَّ الثواب. واعلَمْ أنَّ قُربَه تعالى نوعان: عامٌّ وخاصٌّ، فالقُربُ العام: قُربُه بِعِلمِه من جميعِ الخلق، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (ق 16) 0 والقربُ الخاصُّ: قُربُه من عابدِيه وسائليه ومُحِبِّيه، وهو المذكورُ في قوله تعالى: ( كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) (العلق 19) 0وفي هذه الآية وفي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (البقرة 186) . وهذا النوع قرب يقتضي إلطافه تعالى وإجابته لدعواتهم وتحقيقه لمراداتهم؛ ولهذا يقرن باسمه القريب اسمه المجيب". [5]
وأعظم ما يُصاب به العبدُ حين يقترفُ الذنبَ ولا يستغفر الله عزَّ وجل نقصانُ إيمانه، فقد أجمعَ أهلُ السنةِ على أنَّ الإيمانَ يزيدُ بالطاعاتِ وينقُصُ بالمعاصي. حتى ترجمَ البخاري رحمه الله في كتاب (الإيمان) ترجمتَه الوافية:"هو قولٌ وفعلٌ ويزيد وينقص، قال الله تعالى: (لِيَزْدادُوا إيمانًا مع إيمانِهم) ، [6] (وزِدْناهم هُدًى) ، [7] (ويَزيدُ اللهُ الذين اهْتَدَوْا هُدًى) ، [8] (والذين اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهم) ، [9] (ويزدادَ الذين آمَنُوا إيمانا) ، [10] وقوله: (أيُّكم زادَتْهُ هذه إيمانًا فأما الذين آمَنُوا فزادَتْهم إيمانا) ، [11] وقوله جلَّ ذِكْرُه: (فاخْشَوْهُمْ فزادَهم إيمانا) ، [12] وقوله تعالى (وما زادَهم إلا إيمانًا وتسليمًا) [13] ". [14]
فالاستغفار يتضمن شهادةَ العبدِ برحمةِ ربِّهِ وتوبته على عباده؛ واستحضارِه قربَه وإجابتَه من دعاه،ورحمتَه ومحبَّتَه عِبادَه، كما قالَ نبيُّ الله شعيبٌ عليه السلام: (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) (هود 90) 0
ولعلَّ المتأمِّلَ في حديثِ سيِّدِ الاستغفار يُدرك هذه الصلة الوثيقة بين ما بين الأدعية والأذكار وبين الأصول العقديَّة والمعاني الإيمانيَّة؛ وهذا سِرُّ الوعدِ بالجنّة لكلماتٍ يقولُها العبدُ يسيرةٍ في حروفِها ومبانيها كبيرةٍ في رُوحها ومعانيها، فقد روى البخاري رحمه الله في كتاب (الدعوات) باب (أفضل الاستغفار) حديث شدّاد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيِّدُ الاستغفار أن تقول: اللهمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعتُ؛ أعوذ بك من شرّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتِك عليَّ، وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسي؛ فهو من أهل الجنّة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها فمات قبل أن يُصبح؛ فهو من أهل الجنة) . [15]
فالاستغفارُ يشتملُ على إظهارِ الرجاءِ في الله عز وجلَّ وحُسنِ الظنّ به جل جلاله؛ وهذه المعاني ظاهرةٌ في أذكار الاستغفار، كما روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابنَ آدم إنك ما دعوتني ورجوتني؛ غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابنَ آدم لو بلغتْ ذنوبُك عنانَ السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابنَ آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرةً) .
وقد أحسن التعبيرَ عن هذا المعنى يحيى بن معاذ رحمه الله حين قال:"يكاد لك رجائي مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال! لأنّي أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أصفّيها وأحزرها وأنا بالآفات معروف؟! وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوِك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟!". [16]
وأما حديث أبي هريرة الذي ختمَ البخاريُّ به صحيحَه الجامع، وهو آخرُ حديثٍ في كتاب (التوحيد) ، فهو ناطقٌ بهذا المعنى حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللِّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللهِ وبحمده، سبحان الله العظيم) . وقد ذكرَ الحافظ ابن حجر أنّ من فوائد الحديث"الحث على إدامة هذا الذِّكر، وقد تقدَّمَ في فضلِ التسبيح من وجهٍ آخر عن أبي هريرة حديثٌ آخر لفظه: (من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّةٍ؛ حُطَّتْ عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) ، وإذا ثبت هذا في قول (سبحان الله وبحمده) وحدها؛ فإذا انضمَّت إليها الكلمة الأخرى فالذي يظهر أنها تفيد تحصيل الثواب الجزيل المناسب لها، كما أنّ من قال الكلمة الأولى وليست له خطايا مثلًا فإنه يحصل له من الثواب ما يوازن ذلك". [17]