فهرس الكتاب

الصفحة 8016 من 27345

إن ما يدعو للبحث في هذا الموضوع أمران:

1.الطمس الفكري المتعمد لواقع السياسة الحربية في الإسلام، والذي يزاوله علماء انهزاميون، إرضاءً لأسيادهم من الحكام الطواغيت، ولأسياد أسيادهم من الكفار المستعمرين.

2.السياسات الحربية الانهزامية التي تمارسها حكومات العار في بلاد المسلمين.

أما الأمر الأول:

فهو الطمس الفكري المتعمد لواقع السياسة الحربية في الإسلام، والذي يزاوله علماء السلطة، والعلماء الانهزاميون، الذين لا يركزون إلا على الجوانب الإنسانية والدفاعية فقط من السياسة الحربية الإسلامية، وكأن هذه السياسة لم تحوِ غير تلك الجوانب، ويغفلون أو يتغافلون عن الجوانب العملية الفعّالة المتعلقة بجوهر السياسة الحربية وحقيقتها، فهم لا يتحدثون عن السياسة الحربية في الإسلام إلا من خلال بعض النصوص، فيعمدون إلى أحاديث محدودة، معروفة، تتناول بعض المعاني العامة، ولا تتناول التفاصيل، مثل حديث: «لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا صغيرًا، ولا امرأة..» وحديث: «لا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدًا..» وما شاكلها، فيسلطون عليها الضوء، ويركزون على أكبر مساحة من هذه المعاني البسيطة، التي لا تمس حقائق السياسة الحربية الفاعلة في الدولة الإسلامية، ناسين أو متناسين آيات وأحاديث كثيرة، تغاير تلك المعاني البسيطة العامة التي وردت في تلك الأحاديث.

إنهم بذلك يطمسون حقيقة السياسة الحربية الحيوية التي طبقها الرسول صلّى الله عليه و سلّم ضد الكفار من أعداء الدولة الإسلامية، يفعلون ذلك إرضاءً لأسيادهم من الحكام الطواغيت، ولأسياد أسيادهم من الكفار المستعمرين، فيقبلون بإغضاب ربهم من أجل إرضاء طواغيتهم، فيبيعون بآخرتهم دنيا غيرهم.

وأما الأمر الثاني:

فهو ما نراه من سياساتٍ حربيةٍ انهزاميةٍ، استسلاميةٍ، تخاذليةٍ، تنتهجها حكومات العار في بلاد المسلمين، بحيث بلغت هذه السياسات الحربية الذليلة شأوًا بعيدًا في التواطؤ مع الأهداف العسكرية الأميركية الساعية للسيطرة على العالم الإسلامي سيطرةً عسكريةً تامةً، فلقد سمحت هذه الدول العميلة العاجزة لأميركا، بأن تقيم قواعد عسكرية ثابتة ومتنقلة لها في أراضي المسلمين، وسمحت للأساطيل الأميركية بأن تجوب المياه، وتستخدم الموانئ والمرافق بلا قيود ولا شروط، ومنحت السماء والأجواء للطائرات والصواريخ الأميركية من غير رقيب ولا حسيب، ولم تكتف بذلك كله، بل وساهمت بالقوات، والعدة، والعتاد، إلى جانب القوات الأميركية الغازية في ضرب المسلمين، واحتلال ديارهم، وإسقاط بعض أنظمة الحكم في بعض دولهم. فكل الدول القائمة في البلاد العربية والإسلامية كيَّفت سياساتها الحربية، وفقًا للرؤية الاستراتيجية العسكرية الأميركية، التي تقوم اليوم على أساس الحروب الوقائية الاستباقية، وعلى أساس استخدام جيوش تلك الدول التابعة لها استخدامًا يحقق لها هذه الاستراتيجية.

لذلك لم يكن غريبًا من جهة أن تستخدم أميركا قوة باكستان العسكرية الضخمة في ضرب حركة الطالبان الإسلامية في أفغانستان، وفي ضرب الحركات الإسلامية الداعمة لمسلمي كشمير. ومن جهة أخرى، لم يكن غريبًا أيضًا أن تعطل أميركا هذه القوة العسكرية الباكستانية الضاربة، وأن تشلُّ قدراتها أمام قوة عدوتها وغريمتها الهند، وكذلك لم يكن عجيبًا أن تستخدم أميركا الإمكانيات العسكرية والاستراتيجية الضخمة للدول المجاورة للعراق في مساعدتها لاجتياحه واحتلاله.

وهكذا تمكنت أميركا من أفغانستان، وتمكنت من العراق، تمكنت منهما بفضل سياسات هذه الدول الحربية الخادمة الخائبة التي ساعدت أميركا في تحقيق أهدافها، والتي لولاها لما تمكنت أميركا بتاتًا من الدخول إلى المنطقة والتمركز فيها. من أجل ذلك كان لا بد من إلقاء الضوء على السياسة الحربية الصحيحة للدولة الإسلامية من منظور شرعي صحيح، وكان لا بد من إظهار ما يحاول علماءُ السلطةِ إخفاءه والتستر عليه.

فالسياسة الحربية لأية دولة من الدول هي رعاية شؤون الحرب على وضع من الأوضاع. ورعاية شؤون الحرب، للدويلات المصطنعة القائمة في العالم الإسلامي اليوم، تقوم على وضع تخدم فيه السياسات العسكرية الأميركية، والبريطانية، والفرنسية، الرامية لفرض هيمنتها على العالم أجمع، ومنه العالم الإسلامي، إنها سياسات خادمة، مذعنة لإملاءات الدول الكافرة المستعمرة، وبسبب هذه السياسات ضاعت فلسطين وكشمير، وبسببها فُصلت تيمور الشرقية عن إندونيسيا، وفصلت بنغلاديش عن باكستان من قبل، وسيفصل جنوب السودان عن شماله في المستقبل، إنها سياسات حربية استعمارية ترسمها الدول العدوة للإسلام والمسلمين، بينما يقتصر دور حكام البلاد العربية والإسلامية فيها على التنفيذ والتطبيق فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت