فهرس الكتاب

الصفحة 9000 من 27345

أ.د. محمد بكر إسماعيل

بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم: أ. د /محمد بكر إسماعيل

العلم بأسباب النزول من الأمور المهمة التى لا غنى للمفسر والمحدث والفقيه عنها.

فهو يعين على فهم المراد من كلام الله تعالى على وجهه تطمئن النفس إليه.

وقد تقدم بيان شئ من ذلك في مقدمة هذا المبحث، وعند ذكر أقساع أسباب النزول، فقد قلنا هناك: إن منها ما يبين الإبهام ويرفع الإجمال، ويزيل الإشكال، وضربنا لذلك أمثلة، نضيف هنا أمثلة أخرى لكي تتحقق - أيها القارئ الكريم- من أهمية هذا العلم في تقرير الأحكام، وبيان المعانى والمقاصد المرادة من كلام الله عز وجل، ثم نمضى بعد ذلك في بيان ما تبقى من الفوائد التى يحتاج إليها الباحثون في العلوم الشرعية بوجه عام، وتفسير القرآن الكريم بوجه خاص .

1.... وقع لبعض التابعين إشكال في عموم قوله تعالى (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران:188) فلما عرفوا سبب النزول زال الإشكال اطمأنوا أنهم ليسوا داخلين في عموم الآية وأنها خاصة باليهود. فقد روى البخارى ومسلم وغيرهما أن مروان قال لبوابه: اذهب يا نافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل يعذب ، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية أنها نزلت في أهل الكتاب، ثم تلا: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران:187) الآية، قال ابن عباس سألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شئ فكتموه إياه وأخذوا بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه.

2.... ما وقع لبعض الصحابة من فهم قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة:158) فقد روى البخارى ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن عروة ابن الزبير رضي الله عنه قال لها: أرأيت قوال الله: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة:158) فما أرى على أحد حرج أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختى إنها لو كانت على ما أولتها كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت لأن الأنصار قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التى كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله: (( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة:158) الآية. قالت عائشة: ثم قد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الطواف بهما فليس لإحد أن يدع الطواف بهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت