فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
3.... وقد تأول جماعة من السلف قول الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:93) على غير الوجه المراد منها فوقعوا في حرج عظيم، ولولا معرفة سبب نزولها ما رجعوا عن تأويلهم الفاسد وفهمهم السقيم. روي أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول. وذكر الحديث فقال عمر: يا قدامة إنى جالدك. قال: لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدنى. قال عمر: ولم؟ قال لأن الله يقول: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) الآية. فقال عمر: أنك أخطأت التأويل يا قدامة، ءاتقيت الله اجتنبت ما حرم الله. وفى رواية فقال: لم تجلدنى؟ بينى وبينك كتاب الله، فقال عمر: وأى كتاب الله تجد أن لا أجلدك قال: إن الله يقول في كتابه: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) الآية. فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدرًا وأحدًا والخنق والمشاهد، فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرًا للماضين، وحجة على الباقين، فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن تحرم الخمر، وحجة على الباقين لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة:90) فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا فإن الله قد نهى عن أن يشرب الخمر، قال عمر: صدقت. وما قاله ابن عباس صحيح، يؤيده ما رواة البخارى عن أنس أن الخمر لما حرمت قال بعض القوم ( قد قتل قوم وهى في بطونهم، فأنزل الله:(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) الآية.
ومن هذه الأحاديث نعلم أن الغفلة عن أسباب النزول تؤدى حتمًا إلى فساد التأويل، وأن العلم بها ضروري في تصحيح الفهم ودفع الاشتباه.
قال الشاطبى في الموافقات ج3 ص349 وما بعدها ( وهذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعانى المنزل، بحيث لو فقد ذكر السبب لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص، دون تطرق الاحتمالات وتوجه الإشكالات) .
وبعد؛ فهذه هى أهم الفوائد التى يجنيها كل من عرف أسباب النزول عن طريق الروايات الصحيحة. وهناك فوائد أخرى نرجئ الكلام عليها في مقال آخر إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.