خيط رفيع على وشك الانقطاع _ خطورة الطلاق
مفكرة الإسلام: هناك وراء كل الأبواب المغلقة توجد هموم بين الرجل والمرأة، تصل هذه الهموم في بعض الأحيان إلى النقاش الحاد الذي يؤدي إلى مشاجرة أو مشاحنة، ويضطر أحد الطرفين في بعض الأحيان إلى فقدان أعصابه ويتفوه بكلمات لا يقصدها لأنه في ساعة غضب، وفي ساعة الغضب تعمى البصيرة ويفقد العقل اتزانه، وفي هذه اللحظة على الطرف الثاني أن يكون متزنًا مستقيمًا لأن تلك اللحظة خيط رفيع، إذا شد من طرفيه انقطع، وربما يصل الأمر إلى الطلاق.
وهنا نقف ونتساءل لماذا لم ينزل القرآن الكريم بسورة تحمل اسم ' سورة الزواج ' وإنما جاء بسورة تحمل اسم ' سورة الطلاق ' ؟
لقد سهل الله طريق الزواج لأنه طريق الفطرة السوية، ووضع لنا الشرع الكثير من الضوابط لإتمامه، أما الطلاق فإن الله قد وضع العراقيل في طريق إتمامه... لماذا؟
لعل من أسباب ذلك أن الزواج يترتب عليه الجمع والألفة، أما الطلاق فإنه يترتب عليه الفرقة والنفور وفي ظل هذا الفهم يتضح لنا كيف أن القرآن الكريم جاء بسورة ' الطلاق ' كعلامة حمراء تشير إلى الخطر، وكإشارة تحذير من المرور بهذه ' المنطقة الحمراء ' إذ الاقتراب منها يمثل موت هذه العلاقة وتلاشيها، فإذا كان لابد للأزواج من المرور بها، فليمروا وبين أيديهم هدي القرآن والسنة المطهرة التي حملتها ' سورة الطلاق ' و' سورة البقرة ' كضمان المرور بسلام دون الوقوع في هاوية سحيقة من غضب المولى عز وجل.
إن الطلاق حكم من أحكام شرع الله، لا يجوز التلاعب به أو استخدامه لغير هدف شرعي أو اجتماعي، وقد جعله خطوة أو حل يلجأ إليه الزوجان المتخاصمان عندما تفلس كل الحلول وتنعدم كل الحيل في استمرار الحياة الزوجية، وحين يظل الشقاء شعار البيت.
ولقد صور الإسلام الطلاق بأنه تبغيض وحث المسلمين على اتقائه ما استطاعوا حتى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ' أبغض الحلال إلى الله الطلاق '.
ولأن عقد الزواج وصفه القرآن بأنه ميثاق غليظ فقال تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء:21] فلا يصح الطلاق لأسباب يمكن علاجها أو لأمور تتغير في المستقبل.
وحتى الأمور التي تتعلق بعاطفة الزوج نحو زوجته أو بكراهيته لبعض أحوالها لا يعدها الإسلام من مبررات الطلاق، لأن هذه العواطف متقلبة متغيرة ولا يصح أن تبنى عليها أمور خطيرة تتعلق بكيان الأسرة، وبغيض الإنسان اليوم قد يصبح حبيبه يومًا ما.
والزوج إن كره من امرأته خلقًا فقد يكون فيها خلق آخر يرضيه وفي هذا يقول الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19] ويقول صلى الله عليه وسلم: 'لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر' [رواه مسلم] ويفرك: أي يكره، والمعنى أنه لا ينبغي للمؤمن أن يكره زوجته لخلق واحد لا يعجبه منها ويتغاضى عما بها من أخلاق أخرى فاضلة تعجبه.
وانظر إلى هذا الحوار العجيب بين عمر بن الخطاب ورجل جاء يستشيره في طلاق امرأته فقال عمر له: لا تفعل فقال: ولكني لا أحبها: فقال له عمر: ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية؟ وأين التذمم؟
ماذا يقصد عمر بذلك؟
يقصد عمر رضي الله عنه أن البيوت إذا عز عليها أن تبنى على الحب فهي خليقة أن تبقى على ركنين آخرين شديدين هما:
1ـ الرعاية: التي ثبت التراحم في جوانبها ويتكافل بها أهل البيت في معرفة ما لهم وما عليهم من الحقوق والواجبات.
2ـ التذمم: وهو التحرج من أن يصبح الرجل مصدرًا لتفريق الشمل وتقويض البيت وشقوة الأولاد وما قد يأتي من وراء هذه السيئات من نكد العيش وسوء المصير.
وإذا لم يكفك هذا الموقف فتأمل معي أخي القارئ أبا الدرداء وهو يقول زوجته: ' إذا رأيتني غضبتُ فرضيني، وإذا رأيتك غضبتي رضيتك وإلا لم نصطحب ' ويحمل هذا المعنى إحساس إرغام النفس على هذا العمل وبذل الجهد السعي في سبيل إرضاء كل واحد الآخر.
وهذا يدفعنا عزيزي القارئ إلى سؤال: وهل توجد حياة زوجية بلا مشاكل؟
إن الحياة الزوجية السعيدة هي تلك التي لا تخلو من الخلافات الزوجية، والتي هي مع مد الأيام والليالي تزكي الحب بين الزوجية وتقوى الرابطة الزوجية، فالزواج رابطة بين اثنين مختلفين، ومن آيات الله سبحانه وتعالى أنه لم يخلق اثنين متشابهين تمامًا في الصفات والأخلاق، فالاختلافات والتباين في الصفات والأخلاق هي ما يسبب تلك الخلافات.