فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الحمد لله على كل حال ، و نعوذ بالله من حال أهل النار ، و بعد:
فإن تداعيات الأحداث الأخيرة على الأمة الإسلامية ، و ما أسفرت و تسفر عنه الحملة الصليبية الشرسة على ديار الإسلام من مآسٍ و نكبات ، أمر لا يسع عاقلاً أن يقف أمامه مكتوف اليدين ، أو ملازماً لصمت ينم عن العار و الخزي و الشنار ، بينا يستطيل الأوغاد في أعراضنا و يدنسون ديارنا و يلغون في دمائنا دون نكير و لا نذير .
إنه فصل آخر من فصول الفتن التي تجعل اللبيب حيران ، و يعجز عن وصفها و بيان أبعادها ذوو الفصاحة و البلاغة و البيان .
كيف و هي أفظع ما ألم بخير أمة أخرجت للناس منذ أيام التتر و سطوتهم الشهيرة على عاصمة الخلافة و ما وراءها من ديار المسلمين قبل نحو سبعة قرون .
و إن كان لنا عزاء فعزاؤنا في أبناء الأمة شيبِهِم و شبابِهِم ، نسائِهِم و رجالِهِم الذين حبستهم الأنظمة المتسلطة على رقابهم ، و أخذت بحجزهم تردهم عن جحافل الغزاة التي ملأت البر و البحر ، و سدت الأفق بعتادها و حشودها المتداعية على أمة الإسلام تداعي الأكَلَة على قصعتها ، و منعتهم من منازلة المعتدين ، أو الذود عن المستضعفين أمام صولة العُداة الوافدين .
و لم يثن ذلك كله ثلةً من الشباب الذين باعوا أنفسهم لله ، و تعاهدوا على بذل المُهَج في سبيل الله ، فتواتروا على أرض الرافدين بعزم و بأسٍ ، يحدوهم الأمل في أن يُمَكّن لهم فيثخنوا في عدوهم ، و يصدوا صولة العادي عن المستضعفين من إخوانهم .
و مع مالا نشك فيه من سلامة منهجهم و مقصدهم ، و بلوغ القدر المطلوب من الإعداد و الاستعداد في نفوسهم ؛ فقد كانت النهاية على غير ما يرام حيث تعرض المئات من المجاهدين ( المعروفين في وسائل الإعلام باسم المتطوعين العرب ) للقتل أو الأسر ، فيما انكفأ البعض قافلين من حيث أتوا ، و لا يزال الآخرون يرابطون ( فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدّلوا تبديلاً ) .
و أمام هذا الواقع المؤلم تتعالى بين الفينة و الفينة أصوات تنبعث منها أمارات الشماتة فيمن قضى و من ينتظر من المجاهدين ، و كأن الشامتين يقولون عن أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، مقللين من شأنهم و شأن ما قاموا به ( لو أطاعونا ما ماتوا و ما قُتلوا ) .
فويل المثبطين إن كانوا يرجون الجنّة فبمَ يدخلونها بعد صدّهم عن الجهاد ، و منعهم و امتناعهم عن الإعداد و الاستعداد !
روى أحمد و الطبراني و الحاكم مصححاً ما وافقه عليه الذهبي عن بشير بن الحصاصية رضي الله عنه قال: ( أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبايعه على الإسلام فاشترط علي: تشهد ألا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله ، و تصلي الخمس ، و تصوم رمضان ، و تؤدي الزكاة ، و تحج البيت ، و تجاهد في سبيل الله . قلت يا رسول الله: أما اثنتان فلا أطيقهما( و ذكر الصدقة و الجهاد ) فقال صلى الله عليه و سلم: ( لا صدقة و لا جهاد ؟ فبم تدخل الجنة ؟ ) .
و لا يفتؤ الشامتون المخذلون المخذولون يعيبون على من جاهد في العراق نفرتهم قبل أن يُستنفروا ، و انطلاقتهم قبل أن يُؤذن لهم ، و كأن الإمامَ الأعظمَ أميرَ المؤمنين و خليفة المسلمين قائمٌ بين أظهرنا يحكم بشرع الله و لا يظاهر أو يتولى من عاداه ، و لولا افتئات من خرج للجهاد بدون إذنه عليه لجيَّش الجيوش و ساق الأساطيل في طلب العدو ، فأثخن فيه و أنكى ، و حرر الأرض و صان العِرض .
يعيبون على أهل الجهاد الخروج لدفع عدو يصول على الحرمات و المقدسات قبل أن يأذن لهم أو يستنفرهم من لا وجود له منذ قرنٍ من الزمان على الأقل .
ألقاه في اليم مكتوفاً و قال له *** إيّاك إيّاك أن تبتلَّ بالماءِ
فأي جرمٍ يرتكبه هؤلاء ، و أي إثمٍ يبوؤون به بتخذيل إخوانهم عن دفع العدى و مجالدة الطغاة ؟
قال ابن حزم الأندلسي [ في المحلى: 7 / 300 ] : ( و لا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار ، و أمر بإسلام حريم المسلمين إليهم ) .
و هل نسي هؤلاء المخذّلون أو تناسوا أن ما يدور في بلاد المسلمين اليوم من جهاد لا يعدو أن يكون جهاد دفعٍ لا طلبَ للعدو فيه ، و بالتالي فلا معنى لاشتراط وجود الإمام و لا إذنه ، بل يجب الخروج لدفع العدو بما أمكن من عَدَدٍ و عُدَدٍ ، أُذن بذلك أم لم يؤذن .
و ليس - و الحال كهذه - الخروج إلى لقاء العدو خروجاً على ولي الأمر - في حال التسليم بوجوده - و لا خروجاً عن المقرر عند أهل العلم من السلف و الخلف ، بل هو من السير على نهجهم ، و الاتباع لهديهم .
و هاكم طائفةً من أقوالهم في هذه المسألة:
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله [ في المغني: 10 / 390 ] : ( إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين ، و وجب على الجميع ، فلم يجز التخلف عنه ) .