أ. د. عماد الدين خليل 16/4/1427
قد يكسب مذهب ما قوته وقدرته على الانتشار والكسب، لا من مزايا خاصة يتصف بها، ولا من معطيات مكتملة تمتلك القدرة على الإقناع باعتبارها حقائق مطلقة .. ولكن من تفرّده في الساحة وانعدام البديل او غيابه، وربما من كون هذا البديل يتميز بقدر كبير من الضعف والتهافت والارتطام بقناعات الإنسان في مرحلة ما من مراحل التاريخ.
هذا هو واحد من الأسباب التي مكنت للماركسية في أوروبا، وجعلتها فترة من الزمن-امتدت بخاصة فيما بين عشرينيات وثلاثينيات هذا القرن- بمثابة العقيدة المتفردة في الساحة الاوربية، ونقطة الجذب ذات البريق المثير، والكعبة التي كان معظم المثقفين: مفكرين وفنانين وأدباء، يجدون أنفسهم مسوقين للحج إليها!
لم يكن هناك بديل يوازيها في القوة، والجذب، والقدرة على الإقناع ، كان يسود أوروبا - ولا يزال - فراغ مخيف، دفع بحشود من الباحثين إلى ما يمكن تسميته بمحاولة الامتلاء أو التوازن النفسي من خلال الانتماء .. يهرعون لربط مصائرهم بالماركسية نظرية وتطبيقًا ..
المسيحية؟ أبدًا ما كانت بقادرة على أن تملأ ولو جانبًا ضيقًا من الحيز الكبير الذي غطّى على أوروبا من أقصاها إلى أقصاها ..
الديموقراطية؟! كانت هذه رداء فضفاضًا يتسع لكل شيء، ولكنها لا تملك أي
تميز، وما كانت خطوطها المتميعة الباهتة لترسم للعقل البشري معمارًا صارمًا ذا أبعاد
مرئية، بعشر معشار ما تفعله الماركسية.
الاشتراكيات الوطنية؟ نعم، لقد كانت تملك قدرتها على الجذب من خلال نزعتها القومية الأصيلة المتطرفة ذات البريق، لكنها كانت قد حكمت على نفسها بالاعتقال في الحيز المكاني والبشري الضيق بسبب من عرقيتها وعدوانيتها..
المذاهب والفلسفات الأخرى؟ ما كانت تعدو أن تكون ترفًا فكريًا لا يمسّ أشواق الإنسان ولا يلبي حاجاته التاريخية..
الماركسية وحدها في الميدان، وليس ثمة سوى بدائل ما كانت بقامتها، ولا قدرت على أن تسامتها تساميها في القدرة على الجذب والتأثير ..
فها هنا العالمية، والإنسان، والمظلومون، وقوانين التاريخ التقدمية كما كانت
تدّعي .. وهناك العرقية والاستغلال والبورجوازية والرجعية..
إلى آخره مما كانت تُتّهم به بإلحاح عجيب من المراكز الماركسية نفسها ..
هكذا كان المثقف الأوروبي يجد نفسه منجذبًا، بهذا الدافع أو ذاك للانتماء إلى هذه العقيدة ذات السحر العجيب ..
بل لقد حدث يومها - في العشرينيات والثلاثينيات - ما هو أكثر من هذا: اتهام المثقف الغربي الذي لا يُهرع للانتماء إلى الماركسية، بالتخلف والرجعية والجمود .. بتحوّله إلى أداة تستخدمها الطبقات المستغلة ضد الكادحين والإنسان وقوانين التاريخ ..
كان مجرد هذه التهمة التي يتصادى يتصادم معها إحساس معذب لدى أولئك الذين لا يقدرون على تحمل عبئها المبهظ، يسوق هؤلاء إلى ما يعتبرونه توحدًا وخلاصًا .. دفاعًا عن الاسم والكرامة .. اختيار الموقع الأكثر علمية وأخلاقية، وانسجامًا مع مواقعهم المتقدمة كأدباء وفنانين ومفكرين ..
حتى إذا ما بلغ أحدهم أعماق التجربة، وخبر بنفسه تناقضاتها ومظالمها، وكذب ادّعاءاتها وأخطاءَها العلمية والأخلاقية .. رآها وسمعها ولمسها .. وأدرك في نهاية الأمر أنها لا تنسجم بحال من الأحوال مع وضعه كمفكر أو أديب أو قناعته كإنسان حسّاس، مثقف، مسؤول..
لم يجد الطريق مفتوحًا بسهولة للتراجع عن انتمائه، لم يجده مفتوحًا إنْ على مستوى الفكر أو الإحساس، أو على مستوى الواقع والممارسة ..
يرجع إلى أين؟ وليس ثمة بديل على الإطلاق يمنحه التوازن والامتلاء اللذين تحقق بهما هناك؟
إن الإحساس الذي كان ينتابه في لحظة التفكير بالخروج شبيه إلى حد ما بذلك الذي يأخذ بخناق من يهوي من الوجود إلى العدم .. من يُنفى من العالم إلى الفراغ والضياع .. من يُطرد من الفردوس المشتهى ..
وارثر كوستلر، أحد الذين ذاقوا التجربة وذاقوا معها مرارات الأخطاء والمظالم والتناقضات، يحدثنا عن هذا الإحساس فيقول:".. لم يعد من الممكن لشيء أن يقلق أمننا وسلامنا الداخلي إلاّ الخوف من أن نفقد هذه العقيدة، فنفقد معها كل ما يجعل للحياة قيمة، ونعود إلى الظلام الدامس من جديد حيث لا نرى إلاّ العويل والزئير. ولعل في هذا تفسيرًا لموقف الشيوعيين الذين لا يزالون يجدون الإيمان في قلوبهم على الرغم من أن لهم عيونًا ترى وعقولًا تفكر". ويقول في مكان آخر من مذكراته:"إن عليك أن تقوم بدورك في اللعب، تؤكد وتنكر، وتفضح وتتراجع، وتأكل ما تقول وتلعق ما تقيء، كان هذا الثمن الذي يلزم أن تدفعه كي يُسمح لك بأن تشعر أنك ما زلت ذا فائدة، وبهذا تبقي على احترامك لنفسك عن هذا الطريق المنكوس" (1) .