إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ? [آل عمران: 102] ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ً? [النساء: 1] والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير ما جازى نبيًا عن أمته . وبعد:
فإن الأمة الإسلامية تعانّي منذ زمن ليس بالقصير من الضعف والتفرق، والاختلاف والتناحر والتخلف، فهي تابعة وليست قائدة كما أراد الله لها أن تكون، مقلدة ومحاكية لغيرها، ليست مبدعة ولا مبتكرة، إنها غارقة في مشكلاتها تعاني الأمرين من تناقضاتها وصراعاتها. وإن الأمراض قد تعددت ، والأوبئة المنتشرة غدت مزمنة في جسدها الكبير. ولقد حاول كثيرون تشخيص الداء، فتباينوا في التشخيص كما تباينوا في وصف العلاج، فذهبوا مذاهب شتى فزاد الأمر تعقيدًا، ووسعوا في الجراحات ومكنوا للأدواء وأوصلوا الأمة إلى مرحلة اليأس والاستسلام والقنوط . لقد شرقوا وغربوا وذهبوا كل مذهب، ثم رضوا من الغنيمة بالإياب. لقد قال بعضهم أن سبب تخلف الأمة وضعفها إنما هو في التحرر من قيود الدين وأحكامه.
وقال آخرون: إن القومية هي الحل الذي ينبغي أن تأخذ به الأمة وتتجمع على أساسه فلم يفلحوا.
ويرى البعض: أن سبب ضعف الأمة وتخلفها إنما هو بسبب تحجب المرأة المسلمة وصيانتها والحل عندهم يكمن في تحرر المرأة وتخليها عن دينها وأخلاقها وآدابها، إنهم يريدونها أن تكون كالكافرات في أوربا وأمريكا.
هناك من يرى أن المشكلة اقتصادية والصراع إنما هو اقتصادي فأخذوا بالفكر الشيوعي والاشتراكية التي أضفوا عليها صفة العلمية. وكانت النتيجة تكريسًا للفقر والتخلف والحرمان كما هو معلوم للجميع.
هناك من يرى أن لاخلاص للأمة إلا بأن تنسلخ من هويتها وترتبط بأوربا وتأخذ بفكرها ومناهجها في الخير والشر والحق والباطل، في الحلو والمر وفي كل شيء ، وهناك من الأفكار والتصورات التي أخذت بها الأمة في القرن الماضي فلم تجني من ذلك إلا الخراف المبين والضياع والتيه الذي لا نهاية له.
أيها المؤمنون: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمنا كيف تبنى الأمم وتسود ، وكيف تقوى وتنتصر وكيف تسمو وتسعد، وترقى في الحياة الدينا ويوم يقوم الأشهاد، ولن تفلح الأمة ولن تخرج من تيهها وضعفها وهوانها إلا إذا تعرفت على طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسارت عليها في بناء النفوس وفي بناء المجتمعات والشعوب على حد سواء ألم يكن العرب بل والعالم قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - يعاني من الأمراض المستعصية التي نشكوا منها الآن.
ظلم وظلام فساد وطغيان كان يملأ الأرض فبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولقد ذكر الله المؤمنين بفضله ونعمته عليهم حيث أنقذهم مما كانوا فيه في جاهليتهم، أنقذهم ببعثة عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث قال تعالى:
?...وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ... ? [آل عمرآن: 103] .
فكيف بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته في ذلك الليل الغاسق والظلام الدامس الذي كان يلف البشرية بمجموعها ، لقد بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين في مكة بتأسيس الإيمان واليقين وغرس عقيدة التوحيد، وتثبيتها بإقامة الأدلة والبراهين القاطعة الساطعة، أدلة تكوينية مبثوثة في عناصر الكون ومظاهر الطبيعة الناطقة بأن الله ليس له شريك.
وأدلة تنزيلية، تنزل بها الوحي لهداية العقول وتنوير القلوب، وتحصين هذه العقدية الراسخة التي هي المقصود الأعظم والغاية العظمى لجميع رسالات الله تعالى إلى أهل الأرض كما قال سبحانه: ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ? [النحل:36] وقال:?وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي? [الأنبياء:25] .