رئيسي:تزكية:الأربعاء 19جمادى الأولي 1425هـ - 7 يوليو 2004
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على نبينا محمد، و على آله و صحبه أجمعين، وبعد،،،
فإننا نعيش كربًا شديدًا، و تسلطًا من الأعداء كبيرًا، و حالة المسلمين لا تبعث على السرور، مما أصابهم من التردي في كثير من الأحوال، و لكن الله رحيم يأتي بالفرج، وفي الناس رجاء، وخير، لكنه يحتاج إلى بعث، ولابد من العلاج لهذه الحالة. ومن أمراضنا التي تحتاج إلى علاج: تبلد الإحساس .
لماذا هذا الموضوع؟
للإجابة على هذا التساؤل نقول:
أولًا: لبعد كثير من المسلمين عن دينهم: فقد أصابتنا الذلة لمّا تركنا الجهاد في سبيل الله، و تبايعنا بالعينة، و تعاملنا بالربا، و رضينا بالزرع، فسلط الله ذلًا لن ينزعه حتى نرجع إلى ديننا، فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ] رواه أبوداود وأحمد.
وأصبح الحال كما قال الشاعر:
نهارُك يا مغرورُ سهَوٌ وغفلةٌ وليلكُ نومٌ والرّدَى لك لازمُ
وشغلُك فيما سوف تكره غِبَّهُ كذلك في الدنيا تعيشَ البهائمُ
ثانيًا: لموت الشعور بالذنب والتقصير عند الكثيرين: حتى ظن الكثير منهم أنهم على خير عظيم، بل ربما لم يرد على خاطره أصلًا أنه مقصر في أمور دينه، فبمجرد قيامه ببعض الأركان و الواجبات؛ ظن نفسه قد حاز الإسلام كله، و أن الجنة تنتظره، و نسي مئات الصغائر التي يرتكبها صباحًا و مساء، من المعاصي التي استهانوا بها، والتي هي سبب للخسارة في الدنيا و الآخرة، فضلًا عن الكبائر، و الموبقات، و الفواحش، و الرشوة، و السرقة، و العقوق، و الكذب، و قطع الأرحام، و الخيانة، و الغش، و الغدر، و غير ذلك.
ثالثًا: لطغيان المادة والالتهاء بالدنيا عن الآخرة: فهؤلاء الغافلون قد أغلقت المادة أعينهم، و ألهتهم الحياة الدنيا عن حقيقة مآلهم، و إذا استمروا، ولم يتوبوا ويفيقوا من غفلتهم؛ فإن العذاب ينتظر:
أما والله لو علم الأنامُ لما خُلِقُوا لما غَفَلُوا ونامُوا
لقد خُلِقُوا لما لو أَبْصَرَتْهُ عيونُ قلوبِهم تاهُوا وهامُوا
مماتٌ ثم قبرٌ ثم حشرٌ وتوبيخٌ وأهوالٌ عظامُ
لهذه الأسباب كان لابد من تناول هذا الموضوع، وذلك من خلال العناوين التالية:
أولًا: ماذا نعني بتبلد الإحساس؟
معنى التبلّد: إنه ذل و استكانة، قال الفيروز آبادي: التبلد ضد التجلّد، و كذا قال ابن منظور.
معنى الإحساس: هو العلم بالحواس، وبليد الحس: ميت. و في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ... [60] } [سورة الأنعام] . قال البيضاوي:' ينيمكم و يراقبكم، سمّي النوم وفاة لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس'.
ثانيًا: مظاهر تبلد الإحساس:
1-قسوة القلوب: قال تعالى معاتبًا المؤمنين: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [16] } [سورة الحديد] .
استبطأ الله قلوب المؤمنين فعاتبهم بهذه الآية..وهكذا قسوة القلب بطول الأمد، وبُعد العهد من النبوة والعبادة و الرسالة..هذه الغفلة المستحكِمة اليوم لابد من علاجها.
2-إلف كثير من المنكرات وعدم مقاومتها: فَتَبَلَّدَ الإحساس..هذا التبرج، والاختلاط، والغناء، والفحش، و هذه الدعارة الفضائية، والخوف من أن ينسلخ من القلوب كره المعصية و قُبحها؛ لأن المعاصي إذا توالت على النفوس، ألِفَتها وعاشت و تعايشت معها، و الواجب هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ] رواه أبوداود وابن ماجة وأحمد. فما حال شبابناوبناتنا؟ وما حال أسواقنا؟ ما حال بيوتنا؟ ما هذا التبلد في الإحساس الذي أصابنا حتى لم نعد ننكر كثيرًا من المنكرات؟!
كثير من المنكرات منتشرة، لا تجد من يقاومها وينكرها، حتى الدعوة خفّت عند الكثيرين، شغل بالتجارة، شغل بالوظائف، شغل بالدنيا، وهكذا حياة الكثيرين: نوم، طعام، ثم ألعاب إلكترونية وغيرها، صفق بالأسواق، معاكسات، مغازلات، ثم سهر على القنوات، ثم نوم. ثم كثير من التفريط في الواجبات الشرعية وارتكاب للمحرمات!