عمر بن عبد الله المقبل 7/12/1426
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خيرته من خلقه، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين:
أما بعد: فهذا موضوع تربوي، يتصل بركن من أركان الإسلام العظام، ألا وهو الحج ، وهو يركز على الجانب السلوكي، والأثر الذي ينبغي أن تحدثه هذه العبادة في قلوب مؤديها.
ولا ريب أن الحديث عن موضوع كهذا طويلٌ ،لكنها ورقةٌ تضاف إلى مجلدات كتب في هذا الموضوع، لعلها تسهم في التنبيه إلى شيءٌ من مقاصد الشرع العظيم في مشروعية هذه العبادات .
أسأل الله تعالى أن يرزقنا القيام بعبادته على الوجه الذي يرضيه عنا ،وأن يعفو عن ما زلت به الجوارح ،إنه أكرم مسؤول .
وسأتناول هذا الموضوع في ثلاثة محاور:
المحور الأول: لماذا الحديث عن الآثار السلوكية ؟
المحور الثاني: كيف تؤثر العبادات في سلوكياتنا ؟ولماذا لا يجد الكثير آثارها في حياتهم؟.
المحور الثالث: من آثار الحج السلوكية.
المحور الأول: لماذا الحديث عن الآثار السلوكية ؟
وأرى أنه يحسن ـ قبل الولوج إلى الموضوع ـ أن أوضح مفردات عنوان هذه الورقة (آثار الحج السلوكية) :
أولًا: كلمة (الآثار) جمع أثر ، هو في اللغة يطلق على معان منها: بقية الشيء ، ويقال: أثّر فيه تأثيرًا ، أي ترك فيه أثرًا وهذا الذي يعنينا هنا ، فنحن نتحدث عما تتركه عبادة الحج العظيمة من آثار في الحجاج (1) .
ثانيًا: كلمة ( السلوكية ) السلوك أصله من سلك طريقا ، أو مكانًا يسلكه أي دخل فيه ، ومن ذلك قوله تعالى ( أسلك يدك في جيبك ) أي أدخلها في جيبك،ومنه أيضًا ( كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ) أي أدخلنا الكفر والتكذيب،ونظمناه في قلوب أهل الإجرام كما يدخل السلك في الإبرة ، فتشرّبته وصار وصفًا لها (2) .
وهكذا الإنسان إذا تحققت فيه آثار العبادات وتحلى بالآداب الشرعية ، وأصبحت أخلاقه انعكاسًا لما يعلمه ويعمل به من دين الله عز وجل ،صح أن يقال له: إن فلانًا سلوكه حسنٌ ،لأنه تشرّب الأخلاق الطيبة ،وانتظمت في تصرفاته حتى أصبحت وصفًا له .
إذًا فالحديث عن بقية الآثار التي تتركها عبادة الحج ، وتؤثر في حياته ... في عباداته ومعاملاته ...في أخلاقه .
أما لماذا الحديث عن الآثار السلوكية ؟ وهو عنوان هذه الحلقة ،فيمكن إجمال الأسباب فما يلي:
أولًا: الحديث عن الآثار السلوكية في الحقيقة حديث عن الأخلاق ـ بمعناها الواسع ـ لأن العرب تقول عن السجية والطبع الملازم للمرء:خلُق (3) ،وهذا معنى كونه سلوكا أي صار سجية ووصفا له ، وليست هذه الورقة حديثًا عن الأخلاق ـ رغم أهميتها ـ إنما المقصود الإشارة إلى أن الأخلاق والسلوك الحسن له أهمية عظيمة وشأن كبير في حياة المسلم ،بل الأخلاق لها شأنها ـ عند جميع الأمم ـ مسلِمها وكافرها،وحسبك أن تعلم أن من أعظم الطرق التي ملك بها النبي - صلى الله عليه وسلم - قلوب الناس في دعوته: سلوكه الحسن ، وتعامله الفذ ، وخلقه العظيم الذي امتدحه الله سبحانه وتعالى به في قوله: ( وإنك لعلى خلق عظيم ) .
وما أجمل قول الشاعر الذي نبه إلى عظمة شأن الأخلاق حيث يقول:
أيها الطالب فخرًا بالنسب *** إنما الناسُ لأم ولأبْ!
هل تراهم خُلقوا من فضة ؟ ***أو حديد أو نحاس أو ذهبْ ؟
أو تَرى فضلهموا في خلْقهم ***هل سوى لحمٍ وعظمٍ وعصبْ ؟
إنما الفضلُ بعقل راجحٍ *** وبأخلاق كرام وأدبْ!
ذاك من فاخرَ في الناس به *** فاق من فاخرَ منهم وغلبْ!
فتبين مما سبق أن الحديث عن الحج وآثاره السلوكية حديث مهم ، لارتباطه بأمر عظيم ألا وهو حسن الخلق ، وسلامة السلوك .
ثانيًا: أنه ما من عبادة وإلا وقد رتب الشرع المطهر عليها آثارًا على العبد في حياته.
وهذه الآثار تختلف بحسب مكانة هذه العبادة ومنزلتها من الدين ،كما أنها تختلف باعتبار آخر ألا وهو العابد نفسه،إذ لا ريب أن الناس ليسوا على درجة واحد من العلم والخشية ،وبالتالي ليسوا على درجة واحدة في تعظيم هذه الشعائر ،ولا في درجة الإخلاص والصدق الذي يكون في قلوبهم حين الدخول في العبادة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ"إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا فاتهمه،فإن الرب تعالى شكور،يعني لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا،من حلاوة يجدها في قلبه،وقوة وانشراح وقرة عين،فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول" (4) ا هـ .
ولقد برّ في كلامه وصدق رحمه الله ،فقد ثبت في السنة أحاديث كثيرة تؤيد ما قاله منها: ما ثبت في صحيح مسلم عن العباس بن عبدالمطلب -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم- رسولا".