ومنها: ما ثبت في الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".
قال بعض أهل العلم:"إنما عبّر بالحلاوة ؛لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى:"مثلا كلمة طيبة"فالكلمة هي كلمة الإخلاص،والشجرة أصل الإيمان،وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جنى الثمرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة ،وبه تظهر حلاوتها" (5) .
ثالثًا: نتحدث عن الآثار السلوكية لما يلاحظ من وجود الهوة الكبيرة بين العلم والعمل ،وبين ما يتلقاه الناس ـ إما في حقول التعليم أو عن طريق خطب الجمعة أو المحاضرات أو غيرها من مجالات التلقي ـ وبين التطبيق ، وتبعًا لذلك فإنه يُلاحظ ضعف أو تلاشي آثار العبادات على كثير من المؤدين لها، حتى أصبحت العبادات جسدًا بلا روح عند كثير من الناس ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
هاهي الصلاة ـ أيها القارئ الكريم ـ عماد الدين ،أعظم الأركان الخمسة بعد الشهادتين ،والتي لها من المنزلة في الدين ما ليس لغيرها من العبادات ..
الصلاة التي قال الله تعالى عنها ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ..
تأمل في أثرها في أكثر المصلين !!
أليس في المصلين من يخرج للتو من صلاة الجمعة ،وهو مع ذلك يقارف كبيرة أو يصر على صغيرة ،فهو يكذب في الحديث والمعاملة ! ويطلق بصره في الحرام ـ وربما وهو في طريق عودته لمنزله من الصلاة ! أو يستمع إلى ما حرم الله !!
وقل مثل ذلك عن رمضان الذي انصرم قبل شهرين تقريبًا !!
فأين التالون لكتاب الله تعالى ؟ وأين المحافظون على الصلاة جماعة ؟ وأين من يغضون أبصارهم ويحفظون جوارحهم عن المحرمات مخافة أن يؤثر ذلك في تمام أجرهم ؟!
وهكذا الحج فكم له من الآثار العظيمة والثمرات الهضيمة ـ والتي هي موضوع حديثنا ـ ومع ذلك ، ورغم كثرة الحجاج ، بل ورغم كثرة حجِّ بعض الناس إلى بيت الله الحرام ، إلا أن المستفيد من الحج ، ومن آثاره قليل ، والله المستعان .
رابعًا: من أسباب طرق هذا الموضوع ، أنك ترى كثيرًا منا يحرص أن يكون أكله وشربه ، وأوقات راحته على ما اعتاده ودرج عليه ،فإذا وقع تغيير بسبب غيره تراه يغضب ،ويحرص على أن يحترم الآخرون عاداته وأوقاته ؛ لماذا ؟!
لأن أكله ونومه حسب عادته مما يشرح نفسه ويريح بدنه ،وهو مع ذلك لا يبذل ولا قليلا من الجهد لتفقد عباداته حتى تحدث أثرا عظيما في شرح نفسه ،وراحة قلبه وبدنه ، وتحقيق مراد الله تعالى منه في تلك العبادة .
إذا علم هذا ، فإن سؤالًا ملحًا ينبغي أن يطرح ،وهو: كيف تؤثر العبادات في سلوكياتنا ؟ولماذا لا يجد الكثير من الناس آثارها في حياتهم؟ هذا ما ستجيب عنه الحلقة الثانية بإذن الله .
المحور الثاني: كيف تؤثر العبادات في سلوكياتنا؟ ولماذا لا يجد الكثير آثارها في حياتهم؟
كان هذا السؤال المطروح في الحلقة الماضية، وللجواب عنه يقال:
أما السبل المعينة على تفعيل أثر العبادات في النفوس، فيمكن إيضاحها فيما يلي:
أولًا: قراءة النصوص من الكتاب والسنة الصحيحة، التي وردت في شأن تلك العبادة التي نفعلها.
ثانيًا: بعد جمع النصوص يستعين المسلم في فهمها بكتب التفاسير فيما يتعلق بالآيات،وعلى كتب شروح الأحاديث ـ إن أمكن ذلك ـ وإلا فبسؤال أهل العلم لفهم ما قد يشكل منها.
ثالثًا: من الوسائل التي تجعل العبادات مؤثرة في سلوك الشخص: استشعار أهمية العبادة ومعناها، والحكمة منها.
وأن يعلم أن الغاية العظمى من العبادات هو إصلاح القلوب، ولا يتم لها ذلك إلا بأن تذل وتخضع وتستكين لخالقها، وتنيب وتعود لربها، وترهب وترغب لمولاها، فبذلك يتم صلاح القلب، ويسعد العبد في دنياه وأخراه، ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية (6) .
رابعًا: مطالعة سير وأحوال السلف الصالح -رحمهم الله تعالى- في تلك العبادة وهذا له أثر عظيم ومشاهد، إذ مع استشعار أن القدوة المطلقة هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي سيرته خير وكفاية، إلا أن المسلم أيضًا سيزداد خيرًا حينما يقرأ في هذا الباب.
يقول ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ"وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه لا لاقتباس علمه،وذلك ثمرة علمه: هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا ليكون سببًا لرقة قلبك" (7) ا هـ .