فهرس الكتاب

الصفحة 6400 من 27345

والمقصود أن القارىء في سير السلف الصالح سيمر بمواقف وأخبار تدمع لها العين،ويرق لها القلب، سيتذكرها القارىء لها حينما يمر بنفس المواقف التي مروا بها -كما سأذكر بعضًا منها في ثنايا هذه الورقة إن شاء الله تعالى - .

فمثلًا: في الحج، وغيره من مواسم العبادات الأخرى على مدار العام، يمكن أن يقرأ الإنسان في كتاب"لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف"للحافظ ابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ فإنه جمع في كتابه بين الأحكام والمواعظ بأسلوب متميز .

ويمكن الاستفادة ـ أيضًا ـ من بعض الكتب التي خرجت في هذا الوقت، اعتنت بالفهرسة الموضوعية لبعض الكتب، ككتاب"نزهة الفضلاء في تهذيب سير أعلام النبلاء"فالمؤلف وفقه الله جعل في آخر المجلد الثالث فهرسًا لما تضمنه المختصر من قصص وأخبار جاءت عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم رحمهم الله تعالى ممن ورد ذكرهم في أصل الكتاب"سير أعلام النبلاء"للذهبي -رحمه الله تعالى- .

خامسًا: وهو مهم أيضًا، وقد أشار إليه ابن الجوزي في كلمته السابقة، وهو أن يصحب الإنسان رفقة صالحة، فيها طلاب علم أو علماء -إن تيسر ذلك- ليستفيد منهم في تصحيح عبادته، وليستفيد مما يلقى من الدروس والمواعظ في رحلة الحج، ولهذا قال جابر - رضي الله عنه - في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم: فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعمل مثل عمله .

وما سبق في (ثالثا ورابعا) يقودنا إلى نقطة هامة في هذا الموضوع ألا وهي أنه ينبغي للإنسان ألا يغفل عن قراءة كتب فيها مواعظ في أيامه كلها، وخاصة في مواسم العبادات كرمضان والحج، لأن القلب إذا قسا ـ والعياذ بالله ـ لم يتلذذ بالعبادة، ولم ينتفع بالمواعظ إلا ما شاء الله .

ومما ينبه إليه هنا أن بعض من منَّ الله عليهم بسلوك طريق الهداية أو حتى طريق طلب العلم الشرعي يغفلون عن هذا الجانب، إما لانهماكهم في الطلب، أو ظنًا منهم أن هذا من شأن العوام، وهذا خطأ يجب أن يصحح.

وسبحان الله ! مَن الناسُ بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم ؟

هذا ابن مسعود - رضي الله عنه - يحكي حالهم ـ كما في الصحيحين ـ"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا"والشاهد أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتعاهد أصحابه - رضي الله عنهم - بالوعظ والتذكير بين الحين والآخر .

وهذه لفتة من عالم مجرب، من أئمة العلم والوعظ في نفس الوقت،وهو ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ حيث يقول:

"رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين ؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن مقصود الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها، والمراد بها، وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق ..." (8) ا هـ.

إذًا .. لماذا لا يجد الكثير آثار العبادات في حياتهم ؟ وهو الجزء المتمم لهذه الحلقة، فأقول:

أشرت قبل قليل إلى بعض الأسباب عند الحديث عن بعض الطرق التي يمكن أن نعملها لكي نجد للعبادة آثارًا على سلوكنا،وأن للعلم أثرًا في زيادة تعظيم العبد لشعائر الله التي قال الله فيها (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) .

وفرق كبير ـ أخي القارئ ـ بين مَن يتلقى تعظيم الشعائر من الاعتياد والنظر لمن حوله من أمه وأبيه، أومن المجتمع الذي يحيط به فقط، وبين من يتلقى تعظيمها غضةً طريةً من نصوص الوحي، وسير السلف الصالح ؛لأن تعظيمه حينئذ يكون مبنيًا على علم وخشية وإجلال لمستحق التعظيم والإجلال، ولهذا قال سبحانه ( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء ) ، وهذا مما يستدل به على فضيلة العلم لأنه يدعو إلى خشية الله تعالى، ولهذا قال بعض السلف"مَن كان بالله أعرف كان منه أخوف".

فإذا تيقن الإنسان أن هذه الشعيرة من شعائر الله أحدث ذلك له تعظيما لها، ولهذا نجد بعض العامة يعظمون الشعائر - تعظيم الموقن بأن هذا الشرع صادر عن علم وحكمة لأنه من عند الله - وهو يقين مجمل.

إلا أن أهل العلم ـ وهم على درجات أيضًا ـ يتميزون بالعلم المفصل بكثير من الجزيئات التي تجعل إيمانهم أعظم، ويقينهم بإحكام هذه الشريعة أكثر، وأنها صادرة عن علم تام،وحكمة بالغة، وأن الأمر كما قالجل جلاله ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) . ولهذا قال الله عز وجل في أواخر سورة الإسراء مخاطبًا كل من كذب بالقرآن ومبينا فضيلة أهل العلم (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا - أي فليس لله حاجة فيكم، فإن لله عبادًا غيركم، وهم الذين آتاهم الله العلم النافع - إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدًا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا) .

فهذا هو السبب الأول في فقد بعض الناس لآثار العبادات، وهو قلة العلم بالنصوص الشرعية الواردة في تلك العبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت