فهرس الكتاب

الصفحة 13500 من 27345

تفسير سورة النجم

الجمعة 29 صفر 1397 / 18 شباط 1977

( 5 ـ 5 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

فإننا نأمل إن شاء الله تعالى أن نأتي على ما تبقى لنا من سورة النجم ، قضينا في النظر في قضاياها وقتًا لا بأس به ، وكنا في الأسبوع الفائت قد اضطررنا إلى الوقوف عند آيات قلائل من السورة الكريمة ، وإن الذي يشفع لهذه الوقفة الطويلة عند آيات قليلة تجاوبها مع العصر ومسيس حاجة الداعين إلى الله للتعرف على ما تشير إليه وتدل عليه .

وأظن أننا بعد في الجو ، لم يتغيّر علينا منه كبير أمر ، فليس ثمة من شك في كل الذي شرحناه في الجمعة الماضية ، وفي صلة هذا الذي شرحناه باحتياجات الدعوة ، وما يشك أحد في أنه مطابق للواقع البشري غاية المطابقة ، وفي أنه يشكل أساسًا طيبًا جدًا لاعتماد المناهج التي يسير عليها الدعاة إلى الله جل وعلا ، وأذكر أنني لفتّ نظركم في الجمعة الماضية إلى أن هذا الكلام الذي أثارته تلك الآيات القلائل ليست مقطوعة الصلة بمجرى الحياة في ذلك الزمن الذي تنزّلت في هؤلاء الآيات ، بل هي تعبّر بأمانة وصدق عن الواقع المتحرك في ذلك الحين . فليكن هذا مدخلنا إلى الحديث اليوم تكملة وتتويجًا إلى ما عُرض .

سمعتم ربنا تبارك وتعالى يُعقّب على مواقف المشركين واعتقاداتهم وتصوراتهم ، ويصفها بالوصف الذي تستحقه ولا تستحق أكثر منه ولا أقل ، إنما هي ظنون ، والظنون في باب الدينيات شيء لا يجوز البناء عليه ولا الاطمئنان إلى ما يؤدي إليه من نتائج ، ذلك أمر .

وأمر آخر هو أن هذا الموقف الذي أثاره أو وقفه المشركون من الدعوة ومن رسول الله صلوات الله عليه وآله إنما هو مبلغ القوم ومبلغ الإنسانية من العلم، وذلك نافع جدًا لأنه يحدد المهمة الأولى أمام محمد عليه الصلاة والسلام ، وأمام الذين يأخذون بطريقه ، إنها طرد الجهل بالعلم وطرد الظلام بالنور ، وتلك مهمة لا يمكن لأحد أن يفكر بتخطيها بحال من الأحوال ، لأنه لو فعل سيكون بانيًا على الرمل وعلى غير أساس ، ثم إن هذا الموقف الذي وقفه المشركون ويقفه أشباههم في كل زمان وفي كل مكان ليس شيئًا مقطوع الصلة بالواقع الذي يعيشه الناس ، وليس شيئًا خارجًا على قوانين الاجتماع البشري ، كما أنه ليس شيئًا في صلب الطبيعة البشرية ، وإنما هو مرض إنساني معروف ، أي علة بشرية قديمة هي إرادة الناس للدنيا ، أي تغليب المصالح العاجلة على المصالح الآجلة ، تغليب مرضاة النفس وإوراء مطامحها وإشباع شهواتها ودغدغة عواطفها على ما هو باقٍ وعلى ما هو صحيح وعلى ما هو حقيقي . إن الله عرض المسألة بهذا الشكل كشأنه جل وعلا دائمًا وهو يقود المؤمنين في معركتهم الخالدة المستمرة ضد المشركين والمرجفين والمشككين حتى يسير المسلمون على أرض معروفة بالنسبة إليهم وحتى يستطيعوا أن يردوا الظاهرات إلى أسبابها وعللها الحقيقية كي لا يخطئوا فيما بعد ولا يخطئوا في تناول الأمور .

( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) بعد هذا البيان والبلاغ تأتينا صياغة ونحن نراجع سياق السورة تلفت النظر وتشد الاهتمام ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) ولا بدّ من أن نخلص النظر إلى الصياغة ، إن الصياغة جاءت معقبة على تشريح حالة كانت راهنة في المجتمع المكي المشرك وهي كما قلنا حالة توجد في أي وقت وفي أي مكان حينما تستدعيها دوافعها وأسبابها ، هذه الحالة حُدد لها بعد التشريح موقف ، على المؤمنين أن يتخذوه ، والموقف المؤسس على القاعدة التي ألمحنا إليها الآن حين يكون موقف الناس منبثقًا عن حدٍ معين من العلم يتأكد بث العلم الجديد وأخذ الناس بقواعده وقوانينه ، ووقفهم مع قضاياه ، مع تجريد المؤمنين من كل عوامل الغرور التي قد تجرّ الإنسان إلى رؤية نفسه وإلى وضعها في غير محلها ، فيتصوّر الإنسان أنه وكيل الله على الناس في الأرض ، وأنه يملك عليهم من السيطرة والسلطان ما يُخوّله حق الإكراه والقسر والإجبار ، الموقف حُدد بناءً على هذه الآساس بأنه الإعراض ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلى الحياة الدنيا ) وبظني أنني ذكرت قبل اليوم ومنذ شهور أن الإسلام وأن القرآن بالذات حينما يطالعنا بهذا الطلب ـ طلب الإعراض وطلب الصبر ـ فالإسلام معلوم أنه دين القوة ودين الإنسانية الكاملة الممتلئة ، فليس معقولًا والحالة هذه أن يوطّن المؤمنين على الاستخذاء وعلى المهانة وعلى الانهزام أمام الصدمات التي لا بد أن يواجهها السائر في طريق الله جل وعلا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت