فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الحمد لله ، من علينا فهدانا ، وأطعمنا وسقانا ، وكل بلاء حسن أبلانا ، ومن بين جميع خلقه تفضل علينا فاصطفانا ، وجعلنا من أمة خير رسله ، وأفضل أنبيائه ، فعلى جميع الأمم فضلنا واجتبانا .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خلقنا فسوانا ، أرخى ستوره على عيوبنا ، ومن لباس التقوى كسانا ، ومن نعمه الغزار أسبغ علينا وأعطانا ، فنسأله بها أن يجعل جنات الفردوس منازلنا وملتقانا .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ألف الله به بين القلوب ، ومحا بهديه الخطايا والذنوب ، فأمرنا بكل خير ، وعن كل شر حذرنا ونهانا ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، الذين اعتصموا بسنته ، وترسموا طريقته ، وساروا على نهجه ، جمعنا الله بهم على السرر إخوانا . وسلم تسليما .
أما بعد ،،، فتقوى الله عباد الله هي الوصية الكبرى لمن رام الفلاح ، وسعى بجد في طريق الفلاح ، وأدرك يقينا أن الليل وإن طال ، واشتدت ظلمته ، فلا بد أن ينفجر الصباح ، وتشرقَ شمس الحق ، فيلقي عن كاهله أعباء الدنيا ، وفي جنة الخلد المقيل والمستراح . أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا .
أيها المسلمون: ندلف اليوم إلى جنة السيرة النبوية ، نقطف من ثمراتها ، ونستنشق من شذاها . نروح القلب بذكر المصطفى ، والصلاة والسلام عليه ، ليتزود القلب في سعيه إلى الجنة ، فتستقصر النفس إدلاجها ومسراها .
إذ إن النفس متى تشوقت لشيء هانت في سبيل نيله الصعاب ، وتحملت من أجله المشقة والعذاب ، فكم قطع المسافرون إلى أهوائهم من الفيافي والقفار ، ومن أجل ما يشتهون تسابقوا إلى دار البوار ! فليت شعري كيف يفعل المحبون للحبيب المصطفى ؟ وكيف يهنأ لهم قرار ؟ وكيف يكون شعورهم إذا لقوه ، فسقاهم بيده من الحوض ، وشفع فيهم فأدخلوا الجنة مع السابقين والأبرار ، وهناك يجتمعون به ، وإخوانه من الأنبياء ، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدار . فلا يقف إكرامهم عند هذا ، بل يكشف عنهم الحجاب ، فيرون ما لا يمكن وصفه بالكلمات ، يرون وجه الرحمن ، تبارك وتعالى ،كما يرون القمر ليلة الإبدار ، نسأل الله أن يجعلنا ووالدينا منهم .
معاشر المسلمين: إن دخول الجنة يستلزم سيرا على منهاج النبوة ، وترسما لتلك الخطى الخالدات على الصراط المستقيم .
وليست الأسوة في النبي صلى الله عليه وسلم في جانب واحد من حياته ، عليه الصلاة والسلام ، ولكنه أسوة شاملة في جميع مناحي الحياة ، على اختلاف مواقع أتباعه من أمته ،،،
فهو قدوة للحاكم وللمحكوم ، قدوة للعالم وللجاهل ، قدوة للمعلم والمتعلم ، قدوة في السلم ، وقدوة في الحرب ، قدوة في المنشط وفي المكره ، قدوة في الصغر ، وقدوة في الكبر ، صلى الله عليه وسلم .
فحري بأتباعه ، وكل من رام مرافقته في الجنة أن يعرف هديه ، ويتعرف إلى شمائله ، ويتعلم سنته ، ويتأمل أخلاقه .
ويكفي في وصف أخلاقه ما قالته زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، فقد سألها سعد ابن هشام عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت: ألست تقرأ القرآن ؟ قال: بلى . قالت: كان خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم القرآن .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ومعنى هذا ، أنه صلى الله عليه وسلم مهما أمره به القرآن امتثله ، ومهما نهاه عنه تركه ، هذا ما جبله الله عليه من الأخلاق الجبلية الأصلية العظيمة ، التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون أجمل منها .
قال: فكان فيه من الحياء ، والكرم ، والشجاعة ، والحلم ، والصفح ، والرحمة ، وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يحد ولا يمكن وصفه . اهـ .
ولما كانت حال المقتدين به كذلك فإنا نأتي اليوم على بعض جوانب من هديه صلى الله عليه وسلم فإنه بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه لم يكن فاحشا ولا متفحشا ، ولا صخابا ، وكان جل ضحكه التبسم ، بل كل ضحكه التبسم ، وكان غاية تبسمه أن تبدو نواجذه . مع كونه صلى الله عليه وسلم طويل السكوت ، فلم يكن يتكلم في غير حاجة ، ولا يتكلم فيما لا يعنيه .
وكان يمازح أصحابه ، ولا يقول إلا حقا ، فأسر بتلك الأريحية نفوسهم ، وسبى بها قلوبهم . واستمع قول جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي . أخرجه مسلم .
أيها الأحبة: لقد كان صلى الله عليه وسلم وسطا في مزاحه ، وفي تبسمه ، فلم يكن متجهما عبوسا ، ولم يكن ضحاكا مقهقها ، بل قد جاء عنه النهي عن كثرة الضحك ، فقال: وإياك والضحك ، فإن كثرة الضحك تميت القلب . أخرجه الترمذي . وهذا مفيد للوسطية في أموره كلها ، عليه الصلاة والسلام . بل كان ضحكه طاعة لله جل وعلا ، إذ هو به يسعى إلى الترويح عن نفسه ، وعن أصحابه رضي الله عنهم ليستقبلوا ما جد من أمور دينهم ودنياهم بنفس منشرحة ، وقلب مقبل ، وسعادة غامرة ، وليعلم اليهود أن في ديننا فسحة .