فهرس الكتاب

الصفحة 21697 من 27345

لغز الجزيرة .. مع من؟ وضد من؟

عبدالفتاح الشهاري

منذ زمنٍ بعيد والمواطن العربي يعي بأن إعلامه الرسمي ليس إلا قوالب جامدة تتكرر كل وقتٍ في رتابة مميتة، وجمود عقيم، يفضي بمتابعيه إلى بلادة متناهية، وشللٍ فكري؛ ولذا فإن البحث عن المصدر الموثوق للخبر كان الشغل الشاغل للباحثين عن الحقيقة، أيًّا كان مصدرها، أو قائلها.. وإلى عهدٍ قريب كانت إذاعة (صوت أمريكا) ، وإذاعة (البي بي سي) أهم مصادر تلقي للخبر على جميع المستويات، وبمختلف الشرائح والفئات.

ولم يكن انطلاق قناة (الجزيرة) في العام 1996م يمثل بالنسبة للكثيرين في بداية الأمر وحتى وقتٍ ليس ببعيد سوى أنها بوق إعلامي لبعض التوجهات الفكرية التي تخدم المصالح الأمريكية، أو أنها سرطان صهيونيّ خفيّ زرعته إسرائيل في وسط الوطن العربي؛ لكي يؤدي دوره في اللعب بثقافة المشاهد العربي، والمساعدة في خلخلة البنية القومية لديه، وهدم الثقة في نفسه، والقيام بدور صهر المعتقدات الإسلامية وإذابتها في قالب عالميّ حتى يستطيع التكيف مع محيطه دون مبادئ أو عقائد.

كسرت قناة (الجزيرة) القاعدة العربية المتبعة في تناولها لعدد من القضايا السياسية الهامة والحسّاسة، التي كان الإعلام الرسمي بمنأىً عنها، ولهذا فإن أول من هاجمها هو الإعلام الرسمي؛ بل كان له دور في تعميق ونشر الإشاعات حول مصداقية هذه القناة وما تقوم به من زعزعة الثقة بين الشعوب والحكّام، ولأن نظرية المؤامرة محيطة بكل جهدٍ قد يكون خارج المألوف في عالمنا العربي؛ فإن هذا الأمر كان حاجزًا صلبًا يقف حائلًا دون التعامل معها بأي نوعٍ من الثقة أو الاطمئنان، وسرعان ما تشكَّل لدى الكثيرين بأن قناة (الجزيرة) ماهي إلا لعبة إعلامية تبنتها قطر، وبدعم أمريكي، لنشر الثقافة الصهيونية في العالم العربي.

ولأن الصحافة في عالمنا العربي بعيدة كل البعد عن معناها المهنيّ الذي يسعى إلى الخبر أينما كان وكيفما كان فقد كان هذا سببًا كافيًا في عدم التفريق بين الإعلام كعمل مهني بحت، وبين الدعوات الأيديولوجية المختلفة، ولهذا فإن قضايا عدة ساعدت على بلورة قناة (الجزيرة) ، ودفعها إلى أن تحتل مكان الريادة في عالم الإعلام العربي، يمكن إجمالها في النقاط التالية:

-تجاوزت قناة (الجزيرة) الحالة النمطية والتقليدية للإعلام العربي، في وقتٍ بات المشاهد ينظر إليه بشيء من الريبة خاصة فيما يتناوله من أخبار مُعلَّبة، وبرامج ذات طابعٍ راكد.

-اعتمدت قناة (الجزيرة) طابع البرامج الحوارية والتي تجمع أصحاب الفكر المضاد، والرأي المعاكس، واستطاعت بذكاءٍ إعلامي يؤكد مهنية القناة أن تستقطب العديد من الأسماء السياسية والفكرية العالمية من شتى الاتجاهات والتوجهات، والتي تحظى بتأييد شعبي عربي واسع من جميع الشرائح المثقفة والغير مثقفة؛ مما لامس شيئًا من حالة التعطش الفكريّ، الذي كان يبحث عنه المشاهد العربي.

-ساهمت (الجزيرة) في تشكيل رؤية إعلامية جديدة كسرت من خلالها القيود الرسمية التي كانت تحيط برسالته.

كما أن هناك عوامل مباشرة أخرى ساعدت إلى حدٍّ كبير في تكوين القناة، وهي في المقابل نفس العوامل التي أذكت نار السخط على القناة ومنها:

-التمويل الضخم والغير طبيعي للجزيرة، وهذا العامل تحديدًا هو ما أحاطها بهالة من التوجس والحذر من طبيعة الجهة الممولة والداعمة..

-الحرفية الإعلامية العالية لدى كادر القناة، والذين في أغلبهم كانوا ضمن العاملين في هيئة الإذاعة البريطانية الـ (بي بي سي) .

-هامش الحرية غير المسبوق والتي تتمتع به (الجزيرة) .

لذا فإن قناة (الجزيرة) ربما أنها المشروع الذي يحمل في جوانبه غموضًا كبيرًا يكتنفه حتى الآن، إذ إنها جمعت التناقضات من الاتهامات التي توجه إليها؛ فالقوميون يتهمونها بالعمالة الأمريكية حينًا والإسرائيلية حينًا آخر، وأمريكا تتهمها بأنها تثير مشاعر العداء والبغض، وإسرائيل تتهمها بتأجيج حماس الانتحاريين. كما واجهت أثناء مسيرة عملها عددًا من الإشكالات والتصادمات مع الحكومات العربية، ولكنها بلغت أوجها، في مواقفها التي برزت في مواقع كانت أكثر حساسية بالنسبة لتلك الحكومات عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث تعد (الجزيرة) المنبر الإعلامي الوحيد الذي صاحب خطوات الحملة الأمريكية منذ هجمتها على أفغانستان وحتى احتلالها العراق، وكان لنتيجة نقلها لوقائع تلك الهجمات التي تشنها أمريكا على المسلمين في كل مكان أثرٌ بالغٌ في تأجيج مشاعر التعاطف لدى الشعوب العربية والإسلامية مع بعضها البعض؛ ولهذا فإن نتائج ووقائع هذا النقل المرئي والحي لحالات القتل، والهدم، والتشريد التي تقع على المسلمين؛ جعلت من المحطة عدوًّا لدودًا لهذه الحكومات العربية؛ بل وحتى الأمريكية والإسرائيلية على خلاف ما أثير عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت