الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد: فاستكمالا لما مرَّ ذكره في الحلقة الماضية من حقوق الجار أذكر بعض الأحاديث النبوية في ذلك , فمنها ما أخرجه الأئمة البخاري ومسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" ( [1] ) .
ففي هذا الحديث توصل النبي صلى الله عليه وسلم للنهي عن أذي الجار برصيد المسلم من الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر , فإن الذي يحمل هذا الرصيد الإيماني من المفترض فيه أن يحسن إلى جاره وأن لايؤذيه , لكن قد يكون إيمان المسلم من النوع القاصر الذي لايؤثر على سلوكه , فإن تذكيره بهذا الإيمان يدفعه إلى الوعي الديني فيستقيم على الصراط المستقيم .
وينفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الجار الذي يخاف منه جيرانه حيث يقول:"والله لايؤمن , والله لايؤمن , والله لايؤمن, قيل: ومن يارسول الله ؟ قال: الذي لايأمن جاره بوائقه"أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( [2] ) .
البوائق جمع بائقة وهي الداهية أي الغوائل والشرور .
وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم عن جار السوء الإيمان وأكد ذلك بالقسم المتكرر بسبب ما يضمر جار السوء لجاره من الغل والحقد , وما يبيته له في ضميره من إرادة الإساءة إليه والكيد له, فإن ذلك يتنافى مع حقيقة الإيمان , فإن حقيقة الإيمان أن يحب لجاره ما يحب لنفسه وأن يكره له مايكره لها, ولأن إظهار العداوة والجفوة للجار تجعله يعيش حياته في قلق ونكد , حيث يتوقع كل يوم من جاره أن يجلب له الأضرار والنكبات , وإن مجرد شعوره بذلك يعدُّ من الأذى الذي يلحقه من جاره , فإذا كان هذا الجار يتسبب في الحيلولة بين جاره وبين الطمأنينة والأمن فإنه جدير به بأن يُنزع منه الاتصاف بالإيمان المؤثر على السلوك .
ومن توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم لمن جاء يشكو جاره ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:"جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره, فقال: اذهب فاصبر , فأتاه مرتين أو ثلاثا فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق , ففعل , فجعل الناس يسألونه ويخبرهم خبر جاره , فجعلوا يلعنونه: فعل الله به وفعل , وبعضهم يدعو عليه , فجاء إليه جاره فقال له: ارجع فإنك لن ترى مني شيئا تكرهه" ( [3] ) .
ففي هذا الحديث مسألتان: الأولى الصبر على أذى الجار , فإن المسلم مأمور بأن يتحمل من جاره أَوّلًا مايصل إليه منه من الأذى , فإن الجار حينما يتضجر منه جاره ويشكو إليه كل مايصدر من أفراد أسرته قد لايحتمل ذلك منه فيظهر له عدم المبالاة به , ولكن حينما يغض الطرف عن الأمور الصغيرة فإن جاره سيُكبر فيه ذلك فيُكثر من الاهتمام به , ويمنع عنه الأذى من نفسه وممن يستطيع التأثير عليه من جيرانه .
المسألة الثانية: استعمال الحكمة في معاملة الجار المؤذي فإن المسلم مأمور بأن لايَدخل في خصومة مع جاره , بل يحاول دفع الأذى عن نفسه بطريقة لاتوقعه في الخصام والجدال , ولذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل المشتكي إلى الصبر أولا , فلما لم ينفع ذلك في ردع جاره عن أذيته أرشده إلى الطريقة المذكورة في الحديث فكان لها الأثر القوي في تغيير الموقف وعودة الجار المعتدي إلى رشده وصوابه .
ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خطورة الجار المجرم على جاره وعظم حق الجوار بقوله"لأن يزني الرجل بعشر نسوة خير له من أن يزني بامرأة جاره , ولأن يسرق من عشرة أبيات أيسر له من أن يسرق من بيت جاره"أخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث المقداد رضي الله عنه ( [4] ) .
ففي هذا الحديث بيان لأهمية حقوق الجار , فإن مصيبة الإنسان بجاره أعظم من مصيبته بالبعيد عنه, فإن جاره قريب منه ويعرف عوراته ومواطن الضعف في بيته , فالتحرز منه أصعب من التحرز من غيره بكثير , فلهذا كان إثم من اعتدى على عرض جاره أو بيته مضاعفا عشر مرات على ما إذا فعل ذلك بالبعيد عنه .
هذا وإن للمحافظة على حقوق الجار أثرا كبيرا في تقوية الأخوة الإسلامية وحمايتها .
فالمجتمع مكوَّن من أفراد وبقدر مايكون صلاح الأفراد يكون صلاح المجتمع , فالمجتمع في المدن والقرى يتشكل من مجموعات صغيرة تمثل أحياء المدينة الواحدة , فإذا حصل الانسجام بين أفراد هذه المجموعات الصغيرة تكوَّن منها المجتمع الكبير على الانسجام والتفاهم , وأفراد هذه المجموعات هم المتجاورون في الحي الواحد , فإذا حصل الأذى بين الجيران تباعد أفراد الحي , وكان ذلك مانعا من إسهامهم في بناء المجتمع الكبير على الوضع السليم .