الدكتور حسان شمسي باشا
تشير إحصائيات اليونيسيف إلى أن هناك أكثر من خمسمائة مليون معاق في العالم ، منهم 42 مليونا يعانون من إعاقة في البصر ، و 70 مليونا يعانون من إعاقة في السمع .
وقد يكون سبب تلك العاهات عوامل وراثية ، أو أمراضا تصيب الأم أو الطفل ، أو نتيجة حوادث وكوارث أو أمراض أتت في مرحلة من مراحل العمر .
والأدباء مثل كل المخلوقات ، ألمت بهم العاهات ، فمنهم من تلقاها بالصبر ورحابة الصدر، ومنهم من حزن وسالت دموعه ، ومنهم من سخر منها وتصدى لها .
وفي كل هذا وذاك أوحت إليهم تلك الإصابات شعرا ، وفاضت أنفسهم بشعر نضحت حروفه بالحزن والمرارة .
وقد ألف الصفدي كتابا عن العميان أسماه"نكت الهميان في نكت العميان"، كما ألف الجاحظ كتابا بعنوان"البرصان والعرجان والعميان والحولان"، أما نصير الجواهري وكارين صادر فقد ألفا معجما للأدباء ذوي العاهات . والحقيقة أن عاهة البصر شغلت أكبر حيز مما يمكن أن نسميه"أدب العاهات". فهناك عدد كبير من الشعراء ممن أصيب بالعمى ونظم في عماه شعرا مؤثرا .
ومن المفارقات أن يصيب الجدري عددا من الشعراء في سن الطفولة ، ويخلف عندهم العمى الذي يرزحون تحت وطأته بقية عمرهم .
فهذا أبو العلاء المعري اعتل بالجدري في السنة الرابعة من عمره ، فعمي منه ، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة . ولم يمنعه العمى من أن يلعب النرد والشطرنج ، حتى أنه قال مرة:"أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر". ولزم بيته وسمى نفسه رهين المحبسين ، أي حبس نفسه في منزله ، وحبسه بصره بالعمى . ولما مات وقف على قبره 84 شاعرا يرثونه . يقول عن عماه:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم بالقول مشهور
وهذا عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين وقد أصيب بالجدري في الثالثة من عمره فكف بصره . وكان يقرأ كثيرا لأبي العلاء المعري ، ويقلده في أحواله وتصرفاته .
أما الشاعر العراقي عبد الحميد الألوسي ( المتوفى عام 1324 هـ ) فقد عمي ولم يبلغ عامه الواحد بسبب إصابته بالجدري .
وممن أصيب بالجدري فعمي أبو البقاء العكبري عالم النحو الشهير وصاحب كتاب
"إعراب القرآن"و"إعراب الحديث". وكانت طريقته في التأليف أن يطلب ما صنف من الكتب في الموضوع ، فيقرأها عليه بعض تلاميذه ، ثم يملي من آرائه وتمحيصه وما علق في ذهنه ، ولذلك قيل عنه إنه"تلميذ تلاميذه".
وهذا بشار بن برد كان أعمى جاحظ العينين ، مجدور الوجه ، وقد قال في عماه:
عميت جنينا والذكاء من العمى فجئت عجيب الظن للعم موئلا
ومما اشتهر له قوله في الأذن التي أغنته عن العين:
يا قومي أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
ومن الأدباء والشعراء من عمي في سن متقدمة . فهذا صالح بن عبد القدوس الأزدي
( المتوفي سنة 160 هـ ) يقول في رثاء عينيه:
وكنت كريمتي وسراج وجهي وكانت لي بك الدنيا تطيب
على الدنيا السلام فما لشيخ ضرير العين في الدنيا نصيب
يمنيني الطبيب شفاء عيني وما غير الإله لها طبيب
إذا ما مات بعضك فابك بعضا فإن البعض من بعض قريب
وهذا الشاعر العباسي الفضل بن جعفر الذي لقب بالبصير لذكائه وفطنته .
يقول متفاخرا بنفاذ بصيرته:
لئن كان يهديني الغلام لوجهتي ويقتادني في السير إذا أنا راكب
فقد يستضيء القوم بي في أمورهم ويخبو ضياء العين والرأي ثاقب
أما الإمام الشاطبي صاحب القصيدة المشهورة في القراءات والمعروفة بـ"الشاطبية"فقد كان ضريرا ، وكان إذا ما قرئ عليه البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من حفظه .
ويروى أن الأمير الأديب أحمد بن المختار ( المتوفى سنة 548 هـ ) مات له ابن فبكى عليه حتى ذهبت إحدى عينيه ثم تلتها العين الأخرى ، فقال في عينيه:
كأنما آلى على نفسه أن لا يرى شملا لاثنين
لم يكفه ما نال من مهجتي حتى أصاب العين بالعين
والرسول صلى الله عليه وسلم يذكر من فقد عينيه بعظم الجزاء إذا ما صبر على بلواه فيقول:"إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة"يريد عينيه ، رواه البخاري .
آفات العين:
ومن الشعراء من كان أشتر العين ، والشتر هو انقلاب الجفن من أعلى إلى أسفل . وفهم الأشتر النخعي ، الشاعر والخطيب البليغ المتوفي سنة 37 هـ ، وقد ذهبت عينه في موقعة اليرموك ، ومن هنا كان لقبه الأشتر .
ومنهم أبو الحكم المغربي ( المتوفى عام 49 هـ ) وقد كان شاعرا وطبيبا أندلسي الأصل ، ولد في اليمن . وبسبب شتر عينه قال فيه عرقلة:
لنا طبيب شاعر أشتر أراحنا الله من طبه الله
ما عاد في صبحة يوم فتى إلا وفي باقيه رثاه
ويبين أبو الحكم كيف انشج وجهه وأصبح أشتر بعد أن وقع على الأرض وهو سكران فقال:
وقعت على رأسي وطارت عمامتي وضاع شمشكي وانبطحت على الأرض
وقمت وأسراب الدماء بلحيتي ووجهي وبعض الشر أهون من بعض