ومن الشعراء من أصيب بالعور ، ومنهم الراعي النميري ( المتوفى عام 90 هـ ) ، وكان شاعرا أمويا فحلا ، لقب بالراعي لكثرة ما وصف الإبل فأجاد .
ومنهم عامر بن الطفيل أحد شعراء الجاهلية وأسيادها . وكان أعور عقيما ، وفي ذلك يقول:
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا جبانا فما عذري لدى كل محضر
وعرف بأنه كان من ألد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال للرسول عليه الصلاة والسلام: ( تجعل لي نصف ثمار المدينة وتجعلني ولي الأمر من بعدك وأسلم ) ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم اكفني عامر وأهل بني عامر". فانصرف ابن طفيل وهو يقول: لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا ، ولأربطن بكل نخلة فرسا ) ، إلا إنه مات في طريقه قبل أن يبلغ قومه .
صمم الأدباء:
ومن الأدباء من كان أصم لا يسمع ، ومنهم قفطان النجفي ( المتوفى سنة 1293 هـ ) وكان من أشهر أدباء النجف وأحد علمائها في النحو العروض . ورغم صممه كان يفهم المراد لأول وهلة من المتكلم ، ويفهم حركات شفتيه حتى أن المنشد كان يقرأ البيت فيسبقه إلى قافيته .
وهذا الشاعر المصري ابن الحباس الدمياطي ( المتوفى سنة 743 هـ ) لحقه صمم فقال:
إن قل سمعي إن لي فهما توفر معه سهم
يدني إلي مقاصدي ويروقك الرمح الأصم
أما الشيخ محمد حميدة المعروف بالشيخ حمدو الناصر الأصم ، صاحب تخميس البردة والمتوفى عام 1321 هـ ، فقد ذكر صاحب أعلام النبلاء بأنه اصطنع لنفسه مصاصة متصلة بماسورة معدنية ، وفي آخرها فنجان مثقوب فمن أراد أن يكلمه ، وضع الفنجان على فمه ، والمصاصة في أذن الأصم ، فيسمع بيسر أكثر .
وهذا مصطفى صادق الرافعي أحد كبار الكتاب وأدباء العصر الحديث ، ولم ينل سوى الشهادة الابتدائية ، إذ مرض بعدها بالتيفوئيد ، وأصيب بصمم في أذنيه ، وحبسة في صوته، وكان هذا سببا يباعد بينه وبين الناس من ناحية ، ويحثه على البحث والمطالعة من ناحية أخرى .
آفات الكلام:
ومن الأدباء والشعراء من أصيب بلثغة في نطقه ، أو حبسة في لسانه ، فهذا وصل بن عطاء كان أديبا بليغا ، وأشير إلى بلاغته وقدرته على التعبير ، رغم كونه مصابا بلثغة قبيحة ، كان معها يتحرج من النطق بحرف الراء ، ولكنه استطاع تجنب هذا الحرف ، فقال مثلا"الأعمى"ولم يقل"الضرير"، وقال"الملحد"ولم يقل"الكافر".
وأما الشاعر الشهير أبو تمام ، فيقال أنه لقبه أبو تمام يعود لحبسة شديدة في لسانه . وفي ذلك يقول مخلد الموصلي:
يا نبي الله في الشعـ ـر يا عيسى بن مريم
أنت من أشعر خلق الـ ـله ما لم تتكلم
ومنهم أفلح بن يسار المتوفى سنة 180 هـ وكان من الشعراء المجيدين ، إلا أنه كان يجمع في نطقه بين لثغة ولكنة ، فلا يكاد يفهم كلامه ، فكان يقول"زرادة"بدلا من
"جرادة"، ويقول"أذن"ويعني بها"أظن".
وأما الببغاء المخزومي الشاعر فقد عرف بالببغاء للثغة قبيحة كانت في لسانه .
العرج:
من أشهر العرجان أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان شاعرا وبطلا من أبطال قريش، عيرته بعض نسائه بالعرج فقال:
قالت عرجت فقد عرجت فما الذي أنكرت من جلدي وحسن فعالي
ويروى أن عبد الحميد بن عبد الرحمن والي الكوفة كان أعرج ، وكان قائد شرطته القعقاع بن سويد أعرج ، وكان كاتبه سليمان بن كيسان أعرج ، فخرج الثلاثة مرة ، وكان الحكم بن عبدل الشاعر أعرج أيضا فرآهم يخمعون فقال:
ألق العصا ودع التخادع والتمس عملا فهذي دولة العرجان
لأميرنا وأمير شرطتنا معا يا قومنا لكليهما رجلان
ومن العرجان أبو رائد الضبي ، ثم عمي ، ثم أقعد من رجليه ، فقال حين عمي ، وقد كان ابن حبيب وهب له عصا حين عرج ، وكان يمشي عليها:
وهبت عصا العرجان عونا ومرفقا فأين عصا العميان يا بن حبيب
فقد صرت أعمى بعد أن كنت أعرجا أنوء على عود أصم صليب
عاهات مكتسبة:
بعض الأدباء فقد طرفا من أطرافه ، فتأثر بذلك وصاغ شعرا ، فهذا عبد الله بن سبرة الشاعر الفارس قطعت بعض أصابعه في معركة الجسر أثناء فتح العراق ، فقال يرثي أصابعه
يمنى يدي غدت مني مفارقة أعزز علي بها إذ بان فانصدعا
فإن يكن أرطبون الروم قطعها فقد تركت بها أوصاله قطعا
ويروى أن امرأة من جيرانه عبث بها عطار ، فلما أضجرها قالت: لو أن عبد الله بن سبرة بقربي ما طمعت في . فبلغه مقالتها وهو في غزوة في أرمينية ، فترك مركزه ، وقدم الشام وقتل الرجل ثم رجع إلى مكانه من غزاته .
وهذا رافع بن الأقطع أمير العرب بنواحي بغداد وكان شاعرا فارسا ( توفي عام 427 هـ ) عرف بالأقطع لفقده يده في إحدى الحروب ، فكان يلبس كفا يمسك به العنان ، ويقاتل فلا يثبت له أحد .
وهذا حياض بن الأعور الشاعر الإسلامي قطعت رجله يوم اليرموك فآلمه ذلك كثيرا وبكاها شعرا صادقا ، ومن شعره يخاطب فرسه بعد أن قطعت رجله:
أقدم"حذام"أيها الأساوره ولا تغرنك رجل نادره
أنا القشيري أخو المهاجره أضرب بالسيف رؤوس الكافره