بقلم عبدالله بن محمد المالكي
"...لسنا حريصين على أن تكون هناك (فلسفة إسلامية) ! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل في الفكر الإسلامي ! فهذا لا ينقص الإسلام شيئًا في نظرنا، ولا ينقص (الفكر الإسلامي) بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه..."
لقد كان المفكر الكبير والداعية الشهيد سيد قطب رحمه الله، نقطةً فارقةً في مسيرة الفكر الإسلامي المعاصر، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه من المفكرين القلائل الذين كان لهم أثر في حركة التاريخ المعاصر خلال القرن الماضي، وقد شهد بذلك كبار الباحثين الغربيين .
وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، إلا أننا ينبغي أنْ نعترف بأن الفكر الذي أنتجه سيد قطب، لا زال مؤثرًا في الصحوة الإسلامية، وفاعلًا في الجماعات الإسلامية المعاصرة باختلاف مناهجها ومشاربها، ولهذا اعترف الغرب ودهاقنة العلمانيين والليبراليين بخطورة فكره، وأثره العميق على الفكر الإسلامي المعاصر .
وسبب ذلك - من وجهة نظري - أنَّ سيِّد قطب - رحمه الله - لم يكن مجرد مفكِّرٍ يتعامل مع الأشياء المجردة فحسبْ، أو يكتب لمجرِّد أن يكتب، وإنما كان يكتب لهدفٍ وغاية نبيلة، كان يكتب ويحاول أن ينفخ في كلماته روح اليقين والسمو الفكري حتى تحيي القلوب الميتة، ويلهب عبارته بحرارة الإيمان حتى تتحرك النفوس الباردة .
لقد كان - رحمه الله - داعيةً مؤمنًا بالله إيمانًا عميقًا، يظهر ذلك من خلال عباراته الحارة، وكلاماته الحية، وأفكاره المؤثرة والمضيئة بنور القرآن .
لقد تأمل سيد قطب في حال البشرية المعاصرة، وما تعيشه من تيه وضلال، وركام الجهل والفساد، وأدرك أن السبب وراء ذلك هو البعد عن الدين الرباني الذي أنزله الله إلى البشرية ليخرجها من عبادة العباد والمادة والشهوات إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان والأفكار والفلسفات إلى عدل الإسلام .
إضافةً إلى أن أفكاره - رحمه الله - كانت متجسدةً في شخصيته، ومنسجمةً مع سيرته، ولذا لم يجد صعوبةً في أن يفتدي بحياته من أجلها، حين جاء وقت التضحية .
تأمل وهو يقول:
"إن المبادئ والأفكار في ذاتها - بلا عقيدة دافعة - مجرد كلمات خاوية أو على الأكثر معانٍ ميتة !"
والذي يمنحها الحياة هي حرارة الإيمان المشعة من قلب الإنسان !
لن يؤمن الآخرون بمبدأ أو فكرة تنبت في ذهنٍ بارد لا قلبٍ مشع .
آمن أنت أولًا بفكرتك، آمن بها إلى حدِّ الاعتقاد الحار ! عندئذٍ فقط يؤمن بها الآخرون !
وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة !"."
لا أريد أنْ استطرد كثيرًا فيما يتعلق بهذا المفكر الكبير، ولكنِ استوقفني كلامٌ له في كتابه الفذِّ (خصائص التصور الإسلامي) ، عندما نقد الفلسفة وبين أثرها السيئ على العقيدة الإسلامية .
وغني عن البيان موقف الإسلام من الفلسفة، خاصةً الفلسفة الأرسطية الوثنية، المنسوبة إلى (المعلم الأول) أرسطو الذي كان يقول: (بقدم العالم، وإنكار البعث، ونفي علم الله بالجزئيات) ، والذي فُتن به بعض المسلمين قديمًا، وصار منهم من يقرر فلسفته ويدافع عنها، كابن سينا في المشرق وابن رشد في المغرب، وحالوا أن يمزجوا الشريعة (بالحكمة!) اليونانية، وكلام الأنبياء بكلام الفلاسفة .
إلا أنَّ الفلسفة ما زالت في العقل الإسلامي خارجةٌ عن العقيدة الربانية، مضادةٌ لها، يصعب المزج والخلط بينهما، لسبب بسيط ! وهو أن مصدر العقيدة الإسلامية هو الوحي الإلهي، ومصدر الفلسفة هو العقل الإغريقي الغارق في الوثنية، فكيف يتم الخلط بين الإلهي والوثني ؟!
ثم ساعد في ذلك - أي إبعاد العقيدة عن الفلسفة - جهود العلماء من أهل السنة في مواجهتها ونقدها وبيان فساد مقالات أهلها، والإفتاء بحرمتها وحرمة تعلُّمِها ونشرها بين الناس .
إلى أنْ جاء الشيخ مصطفى عبد الرازق، في بداية القرن الماضي، فقرر مصطلح (الفلسفة الإسلامية!) ودعا إليها، وأراد بذلك أنْ يردَّ على آراء بعض المستشرقين التي كانت تقول بأنه لم يكن لعلماء المسلمين دورٌ كبير في الفلسفة، وإنما كانوا مجرَّد نقلة وشارحين لتراث الإغريق، ولم يضيفوا شيئًا يذكر . فأراد الشيخ أنْ يكشف دور المسلمين في علم الفلسفة، وأن لهم جهودًا في تطويرها وتحويل مسارها، وهو يقصد بذلك تراث المتكلمين، الذين كان بينهم وبين الفلاسفة معارك جدلية في القضايا الإلهية .