( إسلام ضماد الأزدي ورجل من بني عامر)
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم النجاح في دعوته , بليغًا في التأثير على من خاطبه, حيث يؤثر على من جالسه بهيئته وسمته ووقاره قبل أن يتكلم , ثم إذا تحدث أسر سامعيه بمنطقه البليغ المتمثل من العقل السليم والعاطفة الجياشة بالحب والصفاء والنية الخالصة في هداية الأمة بوحي الله تعالى .
وإن من أبرز الأمثلة على قوته في التأثير بالكلمة المعبرة والأخلاق الكريمة , ماكان من موقفه مع ضماد الأزدي الذي وفد إلى مكة وتأثر بدعاوى المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقر في نفسه أنه مصاب بالجنون كما يتهمه بذلك قومه .
وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن ضمادًا الأزدي قدم مكة وكان من أزد شنوءه , وكان يرقي من هذه الريح - يعني يعالج من الجنون - فسمع سفهاء مكة يقولون إن محمدًا مجنون فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي .
قال فلقيه فقال: يامحمد إني أرقي من هذه الريح , وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الحمد الله نحمده ونستعينه , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدًا عبده ورسوله , أما بعد".
قال فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء , فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات, قال فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء , فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء, ولقد بلغن قاموس البحر ( [1] ) .
قال فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام قال: فبايعه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلى قومك , قال:وعلى قومي.
قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ( [2] ) فمروا بقومه فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا ؟فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة,فقال:ردوها فإن هؤلاء قوم ضماد ( [3] ) .
في هذا الخبر بيان أن المشركين كانوا يتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون , فهل كان وصفه بذلك مجرد تهمة ألصقها به أعداؤه من غير أن يسوغوها بأسباب يتوقعون أنها مقنعة ؟
قد تكون هذه التهمة غير مسوغة بذلك , وإنما هي مجرد رأي خطر لبعض زعمائهم لينفروا الناس من سماع دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبعهم على ذلك عامتهم .
وقد تكون مسوغة بمخالفة ما عليه جمهور الناس , والقيام بتحدي من يملكون القوة والهيمنة, والتضحية من أجل المبدأ بالمال والنفس . فيرى بعض الناس أن العقل يقتضي مسايرة الناس وطلبَ السلامة في النفس والمال , وأن إهدار ذلك وتعريض النفس للهلاك , والمال للضياع من أجل المحافظة على مبدأ يخالف ماعليه الناس نوع من الجنون .
ومن هذا الباب اتهام المشركين أبا بكر بالجنون حينما عرَّض نفسه للأذى وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي .
ولذلك ترتفع نغمات بعض المنافقين في كل زمن فيتهمون دعاة الإسلام الذين يقاومون الباطل, ويتعرضون من أجل رفع دعوة الحق لضياع الأموال والتشرد والسجون والقتل أحيانًا .. يتهمونهم بالجنون .. لا على أنهم قد فقدوا عقولهم بالكلية , ولكن على أنهم فقدوا نوعًا من العقول يراها هؤلاء المنافقون وأشباههم من ضعفاء الإيمان هي العقول السليمة الجديرة بحمل هذا الاسم .. هذه العقول هي التي ترعى مصالحها الدنيوية , وتساير جميع الأوضاع التي تعيش فيها سواء كانت الهيمنة لأهل الحق أو كانت لأهل الباطل .
فالتخلي عن المال من أجل الحفاظ على المبدأ السامي يعدُّ عند هؤلاء ضربًا من الجنون.
والنظر إلى الدنيا والتفكير الدائم في تدبير الأموال وسياسة تشغيلها وصرفها هو عين العقل عند هؤلاء , ويستوي عندهم من يبعثر أمواله في الطيش والتهور , ومن ينفق أمواله في سبيل الله تعالى , فكلاهما عند هؤلاء سفيه قاصر العقل , بينما يكون الحكم في الإسلام على الأول بأنه قاصر العقل سفيه يجب الحجر عليه, أما الثاني فإنه كامل العقل حيث قدم ماله ليكسب في الآخرة أضعافًا مضاعفة من الأجر , ويستحق الثناء والشكر بما قدم من ماله لخدمة دينه وإخوانه المسلمين.
هذا وقد وجدت من كلام علماء التفسير ما يؤيد هذا التوجيه وذلك فيما رُوي عن الحسن البصري رحمه الله أنه فسر اتهام المشركين ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالضلال قال: وذلك أنهم لم يريدوا بالمجنون الذي يخرق ثيابه ويهذي , بل لأن النبي صلى الله عليه وسلم خالف أهل العقل في نظرهم , كما يقال: ما لفلان عقْل ( [4] ) .