أماه لا أَرضى الهَوان ! (1)
بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي
أُمَّاهُ ! أَيْنَ أَسيرُ ؟ ! دَرْبيَ مُغْلَقٌ ... ... سُدَّتْ مَسَالِكُهُ عَلى أَبْصَاري
وَكأَنَّني بَيْنَ الوُحُولُ أَغُوصُ في ... ... شَرَكٍ وأَدْفَعُ زَحْمةَ الأَخْطارِ
وكَأنَّني أَجْري وأَلْهَثُ ، دُونَني ... ... دَرْبٌ يَصُبُّ عَلَى شَفيرٍ هَار
وَقُبَالتي يَجْري السَّرَابُ وَلَهْفَتي ... ... تَجْري وَتَلْهَثُ خَلفَنا آثَاري
أَنَّى جَرَيْتُ رأَيْتُ حَوْلي أَدْمُعا ... ... ثَكْلَى تَصُبُّ دُمُوعَهَا و جَوَاري
ورأيْتُ أَشْلاءً تُمَزِّقُهَا الرِّيا ... ... حُ ! تَناثَرَتْ مِزَقًا بكلّ مَسارِ
وجَمَاجمًا مِثْلَ الجبَال تَهُزُّني ... ... فَزَعًا مِنَ التصْدِيقِ والإِنْكارِ
وصراخُ طِفْلٍ لْم تَزَلْ أَصْداؤهُ ... ... بَيْنَ الدِّمَاءِ تَقُول: يَا لِلعارِ !
أُماهُ ! مَنْ جَلَبَ الهَوَانَ ومنْ رَمى ... ... بيَ في الطَّريقِ وشدَّ حَبْلَ إِسَاريِ
أُمَّاهُ ! لا أَرضَى الهَوَانَ ولا أَرى ... ... دَرْبًا أَعزَّ مِنَ التِحَامِ شِفارِ
أبُنَيَّ ! تِلْكَ هِيَ المَيادينُ التي ... ... تَأْبَى الهَوَانَ وذِلَّةَ الإدْبارِ
أَعلْى مَيَادين الجهادِ نُفوسُنا ... ... ومَكَامِنُ الشَّهَواتِ والأَسْرارِ
فإِذَا انْتَصَرْتَ بها فَدونَكَ سَاحَة ... ... أُخْرَى تَخُوضُ بَها عَجَاجَ غِمارِ
فإِذَا صَدَقْتَ الله نِلْتَ بِفَضْله ... ... حُسنَى الشَّهَادَةِ أَو رَفيفَ الغَارِ
فانْزِلْ مَيَادينَ الهُدَى ودَع الهَوى ... ... ودَع الهَوَانَ لِتَائهٍ خَوَّار
واحْسِمْ"مَصيرَك"في جَلاَء مَوَاقعٍ ... ... لا بَيْنَ حَيْرَةِ زُخْرُفٍ وشِعَارِ
فَعجبْتُ مِنْ أُمٍّ وَمِنْ وَلدٍ لَها ... ... نهضَا على شَرَفٍ وصِدق حِوَارِ
فسأَلتْه:مَنْ أَنْتَ ؟! قال: أَنا ابن من ... ... مَلأَ الزَّمَان بزَحْفهِ الجَرَّارِ
فأبى الذي صبَّ الدِّماءَ هُنا رضًا ... ... لله يَطْلُبُ مِنْهُ عُقْبَى الدَّارِ
مَا جَالَ جَوْلَتَهُ على وثنيَّةٍ ... ... أَبدًا ولا مَارى دُعاةَ صَغَارِ
حُرٌّ عَلى التوحيدِ يَعْمُرُ قَلبَهُ ... ... لله شوقُ الفارسِ المغوارِ
آبائِيَ الغُرُّ الذينَ عَرَفْتُهُمْ ... ... طَلعُوا على الدُّنيا طُلوعَ نَهَار
أَبْنَاءُ مَدْرَسةِ النُبوَّةِ كُلهُّمْ ... ... نَسَبُ التُقاةِ ولُحْمَةُ الأَطْهارِ
سَأُعيدُ سيرَتَهُمْ وأَبْرأُ مِنْ هَوَى ... ... عَصَبيَّةٍ جَهْلاءِ أَوْ أَوْزَارِ
أَنَا مُسْتَقِل عَنْ دَعاوى فتْنةٍ ... ... ووحُولِ أَوْهَامٍ ودَرْب عِثارِ
أَنَا لنْ أُمَزِّقُ مُهجَتي و حُشَاشَتي ... ... قِطَعًا تُبَاعُ وتُشتَرى بدُلاَرِ
أَنَا لا أُريدُ على الطريق بنَاءَ جسْـ ... ... ـرِ إِبادَتي أَوْ وَصْمَةً مِنْ عَارِ
أَنَا إِنْ بَنَيْتُ فمِنْ دَمِي أبني العُلا ... ... ومِنَ التُّقَى أَبْني شَوَامخَ داري
دَرْبي سَبيلُ الله يا لجَلائِهِ ... ... نُورٌ يَمُوجُ على رُبىً وقفَارِ
لا يَطْرُقَنَّ سَبيلهُ إلاَّ الذي ... ... يأْبَى مُسَومَةً و ذُلَّ وقفَارِ
لا يَطْرُقَنَّ سَبيلَهُ إلاَّ الذي ... ... يأْبَى مُسَاومَةً وذُلَّ صِغَار
يَجْلو عَلى المَيْدان عِزَّةَ ديِنهِ ... ... ويَصُوغُ في السَّاحاتِ صِدْقَ شِعَارِ
ورَجَعْتُ أَبْحَثُ في الدُّروب أشُقُّهَا ... ... شفُّا وأَدفعُ خُطْوتي و بدَاري
فَلمحتُ آيةَ سَاحها وعُصَارَةً ... ... مِنْ شَوقِهَا فَهَرعْت في إصْرِارِ
جُمعَ الحَنينُ فكانَ قُبَّةَ صَخْرَةٍ ... ... وطُيُوفَ إسْراءٍ وطيبَ مَزَارِ
ورَفيفَ أَجْنِحةِ الحَمَامِ وخَفْقَةً ... ... مِنْ أَكْيُدٍ حَرَّى ومِنْ زُوَّار
ودويَّ آياتٍ ورَهْبَةَ مَوْكبٍ ... ... مِنْ سُجَّدٍ خَشَعَتْ ومِنْ أنْوَارِ
وجَلال تكبير وعزَّةَ أُمَّةٍ ... ... قَنَتَتْ و وَثْبَةَ فارسٍ مِغْوارِ
فأَلُّم أَشْوَاقي هُنَاكَ بِدَمْعةٍ ... ... وتَضرُّعٍ في خُفْيَةٍ وَجِهَارِ
يَا قُبَّةَ الأَقْصى طَلَعْتِ على المَدَى ... ... أُفْقًا يُظَلِّلُ لَهْفَتي وأَوَاري
فَملأْتِ آفَاقَ الحَيَاةِ بَلاَلةً ... ... عِنْدَ الهَجيرِ وعندَ كُلِّ عِصَارِ
يَا ساحَةَ الأَقْصَى ويا لَجلالِهِ ... ... سُدَّتْ إِليك مَسَالِكٌ وبَرَارِي
أَأَمُرُّ في سَاحَاتِهِ وأَشمُّ مِنْ ... ... عَبَقِ الجِنَانِ بِهِ ومِنْ أَزْهَارِ
أُصْغِي إلى الزَّيتونِ بَيْنَ ظِلالِهِ ... ... قصَصُ الجُدودِ ونسْمةُ الأَخْبَار
وعلى أَريج البُرْتُقالِ نَداوةُ ... ... نَشَرَتْ هوى الآصَال والأسْحَار
وشَذًا مِنَ الليمُونِ بَيْنَ أَريجهِ ... ... دَفْقُ المَلاحِمِ أَو دَويُّ نِفارِ
المسجِدُ الأقْصى ! فَيَا لِحَنِينهِ ... ... وأَنِينِهِ وَجِراحِهِ وإِسَارِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من ملحمة الأقصى للمؤلف