فهرس الكتاب

الصفحة 18108 من 27345

الشيخ محمد عبد الكريم*

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.

إنّ من خصائص عقيدة الإسلام أنها قائمة على الحجج النقلية الواضحة, والبراهين العقلية الساطعة, فليس في أصولها ولا في فروعها ما يأباه العقل الرشيد أو يرفضه, وفي سبيل ترسيخ هذه العقيدة في الأنفس, ولضمان ديمومتها وثباتها خاطب القرآن الكريم العقول واستنهضها للتدبر والتفكر؛ قال تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ) (1) ، وقال سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) (2) ، وقال سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (3) . ومع قوة الإيمان في نفوس المؤمنين, وطمأنينة القلب إلى ما أخبر الله تعالى به من الحق المبين, إلا أنّ هذه العقيدة معرَّضة للفتنة والابتلاء لا محالة؛ قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) (4) . ومن هذه الفتن محنة الشيطان اللعين ـ عدونا المبين ـ الذي أخذ على نفسه ميثاقًا أمام رب العالمين أن يغوينا أجمعين, كما قال تعالى حكاية عنه: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (5) ، وكما قعد لنا بالوسوسة والإضلال في كل طريق ومرصد؛ فإنه حريص على قذف سمومه في قلوب المسلمين كي يزعزع إيمانهم بالله العزيز الحميد, ويلقي بالريب فيما أخبرنا الله به من الغيب في كتابه المجيد؛ عن سبره بن أبي فاكه رضي لله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنّ الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه, فقعد بطريق الإسلام, فقال: تُسلمُ وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه وأسلم, ثم قعد له بطريق الهجرة, فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءَك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول, فعصاه فهاجر, ثم قعد له بطريق الجهاد, فقال: تجاهد؟ فهو جهدُ النفس والمال, فتقاتلُ فتقتَلُ, فتنكح المرأة ويُقسَّم المال؟ فعصاه فجاهد؛ فمن فعل ذلك كان حقًا على الله أن يدخله الجنة, ومن قُتل كان حقًا على الله أن يُدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة, وإن وقصته دابته كان حقًا على الله أن يدخله الجنة) (6) , إنّ الشيطان الرجيم ليس له من سلطان على البشر إلا بالدعوة والإغراء, والاستمالة والإغواء عن طريق الوسوسة, فما أهون كيده,وأوهن فكره قال تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) (7) .

معنى الوسوسة:

الوسوسة: مصدر قولهم: وسوس يُوَسْوِس مأخوذ من مادة (و.س.س) التي تدل على صوت غير رفيع: يُقال لصوت الحُلْي: وسواسٌ, وهمس الصائد: وسواسٌ, وإغواء الشيطان ابن آدم وسواس (8) .

واصطلاحًا الوسوسة والوَسواس: ما يلقيه الشيطان في القلب. وقال الراغب: الوسوسة: الخطرة الرديئة , وقال البغوي: الوسوسة القول الخفي لقصد الإضلال, والوسواسُ: ما يقع في النفس وعمل الشر وما لا خير فيه (9) , وهذا بخلاف الإلهام فهو لما يقع فيها من الخير.

قال ابن القيم رحمه الله:"الوسوسة: الإلقاء الخفي في النفس إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من أُلقِيَ عليه, وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان للعبد" (11) .

وقال البغوي في قوله تعالى: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) :"بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع" (12) .

وقد جاءت الوسوسة في القرآن الكريم في بضع آيات.

فتارة تكون من فعل الشيطان الجني كما قال تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ) (13) , وقال تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) (14) , وسمى الله تعالى شيطاني الجن والإنس"وسواسًا"فقال تعالى: (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) (15) , وتارة تضاف الوسوسة إلى فعل النفس كما قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه) (16) .

أنواع الوسوسة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت