أ.د/
جابر قميحة
ليس من همنا ـ في هذا المقال الموجز ـ البحث في أعماق التاريخ عن أولية اللغة العربية، وأولية شكلها الكتابي، فذلك من مهمات علماء اللغة وفقهائها ـ على أن هذا لن يفيدنا شيئًا في مقالنا هذا، ولكن هناك حقيقتين لا يستطيع أحد إنكارهما، وهما:
1 ـ أن اللغة العربية في أولياتها ـ وهي مرحلة الطفولة الباكرة التي ترجع إلى ما قبل الإسلام بقرون مديدة ـ لم تكن بالصورة التي كانت عليها في أوائل القرن السابع الميلادي الذي نزل القرآن في نهاية العقد الأول منه، بل كانت في صورة أبسط، وأقل مستوى، وأقل مفردات.
2 ـ أنه كان هناك ـ من فجر نشوء هذه اللغة ـ لهجات خاصة متعددة بتعدد القبائل، وتباعد أماكن وجودها في الجزيرة العربية، ونشأ عن هذا التعدد فروق لغوية من أهمها:
أ ـ اختلاف شكل الكلمات في بعض حروفها، كاستبدال الألف والميم (أم) بالألف واللام (أل) أي أداة التعريف، فالحديث النبوي الشريف"ليس من البر الصيام في السفر"يكتبه الحميريون وينطقونه هكذا"ليس من امبر أمصيام في أمسفر".
ب ـ اختلاف نطق بعض الكلمات، كاستبدال"الشين"بالكاف، فيقال (عيناش) و (جيدش) بدلا من (عيناك) و (جيدك) . وهذا ما يسمى"بالكشكشة". ومثل استبدال الجميم بالياء، إذا جاء في الكلمة عين، فكلمتا (علي) ، و (عشي) تصبحان (علج) وعشج) وهذا ما يسمى بالعجعجة.
جـ ـ الدلالات المعنوية للكلمات فكلمة"أدفأ"تعني جلب الدفء، ولكنها ـ بلغة قبيلة كنانة تعني: القتل وبتضام هذه الدلالات بعضها إلى بعضها الآخر نشأ ما يسمى"بالمشترك اللفظي"الذي يعني أن تكون الكلمة واحدة، ولها معان متعددة، ككلمة (العين) التي تعني: الناظرة، والبئر، والرجل العظيم، والجاسوس.
ولكن هذه الفروق اللغوية لم تقف عقبة أمام التقاء القبائل العربية على"اللغة الأم"التي استكملت عناصر نضجها قبل نزول القرآن بقرن من الزمان على الأقل، والتي تمثلت في لغة قريش التي استطاعت أن تصهر هذه اللهجات في بوتقة واحدة بتفاديه ما يعيبها من ظواهر شاذة، وبذلك أصبحت اللهجة أو اللغة المثالية النموذجية.
ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن هذه اللغة توافر لها الشرطان الأساسيان اللذان لا تكون اللغة مشتركة إلا بهما.
وهذان الشرطان هما:
أ ـ أن تمثل مستوى لغويًا أرقى من لهجات الخطاب في غالب الأحوال، ومن ثم يتخذها الناس مقياسًا لحسن القول، وإجادة الكلام.
ب ـ وهي كذلك - كما يرى هنري سويث - لا يستطيع السامع أن يحكم على المنطقة التي ينتمي إليها المتكلم بهذه اللغة.
وبناء على ما سبق يبدو الخلاف الذي ثار قديمًا وحديثًا، ومؤداه: هل نزل القرآن بلغة قريش خاصة؟ أم باللغة العربية المشتركة آنذاك؟ أقول: يبدو هذا الخلاف لفظيًا؛ لأن لهجة قريش الخاصة كانت تمثل اللغة المشتركة لقبائل العرب كلها، وذلك لعوامل متعددة أهمها:
1 ـ العامل الديني: فمكة هي مركز الكعبة، وبيت الله الحرام، حيث يحج العرب، ويفدون إليها بالآلاف كل عام.
2 ـ العامل الاقتصادي: فقد كانت مكة مركزًا تجاريًا مهمًا في الجزيرة العربية، ومنها كانت تنطلق القوافل في رحلتي الشتاء والصيف.
3 ـ العامل الاجتماعي والأدبي: فقد كانت قريش موضع توقير وتبجيل بين القبائل العربية، وذلك أصلًا ناتج عن مكانتها الروحية، فقصدت"قريش"للتحكيم في القضايا والدماء بين القبائل، والسفارة بينها للسلام، وحقن الدماء.
وكانت سوق عكاظ تقام قرب مكة كل عام، وهي سوق"شاملة"بمعنى أنها كانت تجارية أدبية، فيها بيع وشراء، ومضاربات، ومباريات في الشعر والخطابة، بلغة قريش مما ساعد على إنمائها، وانتشارها.
4 ـ العامل اللغوي الفني: فقد كانت هي أفصح اللغات لخلوها من العيوب النطقية، واللغوية، التي أشرنا من قبل إلى بعضها مثل عنعنة تميم، وتلتلة بهراء، وكشكشة ربيعة، وكسكسة مضر، وعجرفية ضبة، واستنطاء اليمن، وعجعجة قضاعة.
ويعلل ابن خلدون فصاحة لغة قريش،"ببعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة، وغطفان، وبني أسد، وبني تميم، وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم، وجذام، وغسان، وإياد، وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس، والروم، والحبشة، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم، وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية".
ولعل هذا ما قصد إليه أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ بقوله"وقريش هم أوسط العرب في العرب دارًا، وأحسنه جوارًا، وأعربه ألسنة".