ولا يعني ذلك أن لهجة قريش في صورتها الكاملة المستقلة تحولت كما هي إلى اللغة العربية المشتركة، بل هي لهجة قريش الصافية مُطعَّمة - أشرنا من قبل - بكلمات من لهجات الآخرين، وهذا ما ذكره الفراء ـ وأورده السيوطي في المزهر"كانت العرب تحضر المواسم في كل عام، وتحج إلى البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا بذلك أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات، ومستقبح الألفاظ".
وربما كان أقدم نص في هذا المعنى هو قول قتادة"كانت قريش تجتني ـ أي تختار ـ أفضل لغات العرب، حتى صار أفضل لغاتها لغتها، فنزل القرآن بها."
وكانت اللهجة القريشية بالمفهوم السابق ـ أي الفصحى العربية ـ ذائعة منتشرة قبل نزول القرآن بكثير، والدليل على ذلك ـ كما يقول الدكتور شوقي ضيف ـ أن أقدم النصوص الأدبية التي وصلت إلينا كأحدثها في مضامينه، وطوابعه الفنية واللغوية.
وكان نزول القرآن الكريم بمثابة الضمان الإلهي لبقاء اللغة العربية الواحدة، فقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) يمنح الضمان للغة العربية التي نزل بها هذا الكتاب الكريم.
ومن ناحية أخرى، أصبح العرب والمسلمون ينظرون إلى اللغة العربية الفصحى نظرة تقدير وتبجيل؛ لأنها الوعاء الذي يحفظ كتاب الله، لذلك تطلعت كثير من الشعوب الإسلامية التي تتكلم بلغات غير العربية إلى تحقيق أمل تعلم اللغة العربية والتحدث بها؛ لأنها لغة القرآن الكريم.
وأصبح البيان القرآني مثلًا أعلى لمن ينشد البلاغة والحكمة، والأسلوب الجليل، وغذى القرآن الأساليب العربية بكثير من التراكيب والصور الجديدة، وأصبح الشعراء والخطباء والكتاب العرب يحلون بيانهم بكثير من آياته وألفاظه وصوره.
وما زالت اللغة العربية ـ لغة القرآن الكريم ـ قوية الكيان، شامخة البنيان على الرغم من المؤامرات التي تعرضت ـ وتتعرض ـ لها في وقتنا الحاضر على المستويين المحلي والعالمي، كالدعوة على استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، والدعوة على إلغاء النحو تسكين أواخر الكلمات، والدعوة إلى إحلال العامية محل الفصحى، ولكنها دعوات ماتت في مهدها، وبقيت اللغة العربية، وستبقى حية شامخة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأنها لغة القرآن الكريم. الكتاب الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
مراجع المقال:
1 ـ تاريخ الطبري.
2 ـ العصر الجاهلي الدكتور شوقي ضيف.
3 ـ الفصحى بين نظريتين: د. حسن أبو ياسين.
4 ـ في اللغة والأدب. د. إبراهيم بيومي مدكور.
5 ـ في اللهجات العربية. د. إبراهيم أنيس.
6 ـ لسان العرب ابن منظور.
7 ـ اللغة العربية وتحديات العصر. ريمون طحان
8 ـ المدونة في اللغة العربية عبد الحميد حسن.
9 ـ المزهر في علوم اللغة السيوطي.
10 ـ مستقبل اللغة المشتركة. د. إبراهيم أنيس.