فهرس الكتاب

الصفحة 13555 من 27345

تفسير سورة ( ق )

الجمعة 26 رمضان 1397 / 9 أيلول 1977

( 4 من 4 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

نرجو اليوم أن نفرغ من سورة ( ق ) ، ولَكَم أتشوق إلى الوقت الذي أجد نفسي قد انتهيت تمامًا من عرض هذه الشريحة من عمر الدعوة الإسلامية في عهدها الباكر ، إن نفسي تنازعني منذ زمن إلى الخلاص من هذه الأحاديث ، لنتفرغ لتحديد المعالم والسبل واستخلاص القواعد والمناهج مما للناس حاجة إليه اليوم ، وصحيح أن القرآن حوى هذا كله ، ولكن صحيح أيضًا أن القرآن كتاب أُنزل لذوي الألباب الذين يملكون القدرة على التفكر والتذكر ، ويملكون القدرة على صبر النفس على أشياء لعل نفوس الكثيرين لا تصبر عليها ، ولو كان الناس على سوية واحدة من التفكير ومن حيث التمثل للاستفادة من كتاب الله تعالى لكنا أغنياء عن هذا الكلام كله . ونزولًا عند حكم الضرورة نحن نتحدث ونصبر على هذه الشهور بل وأكثر من الشهور حتى تتبلور بين أيدينا قضية نعتقد أنها قضية قرآنية .

فيما يتصل بسورة ( ق ) عرفتم فيما أظن أن العمود الفقري لها هو الحديث عن اليوم الآخر وإجابة المشركين عن بعض الاستفسارات التي تتركز أيضًا حول هذه إمكانية قيام اليوم الآخر . وقد مرّ منها جانب ، الجانب الذي عرض الموضوع ، والقسم الذي أقام الدلائل مما هو في السماء ، ومما هو في الأرض ، ومما هو في جو السماء ، مما عبّر الله عنه بالماء الذي يسوقه فيحيي الأرض بعد موتها ليقول للناس ( كذلك الخروج ) أي كما يخرج النبات الحي من الأرض الهامدة كذلك يُخرج الله الموتى من قبورهم ويبث فيهم الحياة مرة أخرى لمصيرهم وليقفوا بين يدي الله تعالى موقف الحساب .

وبعد هذا كله فقد مرّ معكم حتى الآن من أساليب العرض القرآني أسلوب واضح قلما تصدر منه صورة من صور هذا الكتاب وهو الأسلوب التاريخي ، والأسلوب التاريخي أسلوب بالغ الدلالة على المقصود ، لأنه يعتمد وحدة النواميس الكونية ووحدة الجنس البشري ، فالله تعالى حينما يقص علينا أنباء من قد سبقنا من الأمم فإنما يقصها علينا من حيث جزء من هذه المسيرة الإنسانية الكبرى التي بدأت بأبي البشر آدم عليه السلام والتي نحن حلقتها الأخيرة حتى الآن ، وستكون لهذه المسيرة حلقات وحلقات .

فوحدة الإنسانية ووحدة الجنس البشري شيء يعتمد عليه القرآن اعتمادًا كبيرًا وكذلك رحمة للنواميس الكونية ، فالخالق العظيم جل وعلا لا يحابى جنسًا على جنس ولا يقرّب لونًا ويبعد لونًا ، وليست لديه تمايزات إلا ضمن القواعد التي أنزلها على رسله كافة ، وهي تمايز الناس بالتقوى والعافية ، وعلى ذلك فما كان من بلاء حلّ بالأمم الماضية بسبب العتو والكفر والتمرد والعصيان فمعقول جدًا أن يحلّ بكل من يعمل على شاكلة هذه الأقوام . إن القوانين الكونية والنواميس الاجتماعية سنن الله في الخلق واحدة ، فأية ملة في الماضي قامت ووقفت في وجه المرسلين وكفرت بأنعم الله وصدت عن سبيل الله فأصابها الله جل وعلا بعذاب وببلاء قذفًا من السماء أو خسفًا في الأرض أو مسخًا في الصور والأشكال أو إلى ذلك أخذًا بالسنين والمجاعة . وأية أمة من الأمم من غير هذه الأمة تسلك نفس الطريق وتقوم بنفس أشكال العصيان فهي لا تملك أية حصانة أن يصيبها من البلاء مثلما أصاب الأمم الماضية ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا ) .

فهؤلاء القرشيون الذين واجههم محمد عليه الصلاة والسلام بالدعوة إلى الله جل وعلا وقرأ عليهم هذا القرآن بأمر ربه كذبوا وأعرضوا بل فعلوا أكثر من ذلك فشردوا وعذبوا وقتلوا أيضًا ، فهل تتصور قريش وغير قريش من الأمم المخاطبة بهذا الكلام الرباني بهذا القرآن العظيم أنها فريدة في ذاتها وأنها تحتل في ساحة قدر الله منزلة الصدارة والمحاباة والكرامة بغير استحقاق ، أبدًا ، إن قريشًا لا تملك شيئًا من هذا القبيل ولهذا فبعد أن عرض الله جل وعلا دلائل النشأة الأخرى مما في السماوات من ترتيب ومحكم ودقيق و مما في الأرض من مظاهر العناية المتمثلة مما يشاهده الإنسان حسًا ويشاهده عيانًا سوف ينزل المطر من السماء إلى الأرض الجرز فتهتز هذه الأرض وتربت ، وتخرج نباتًا يخرج منه حب متراكب يستعمله الناس طعامًا لهم ويستعملونه علفًا لبهائمهم . كيف يخرج نفس الماء ونفس الأرض بنفس الشروط ؟ كيف تخرج بواسق النخيل التي تزيد في الحجم والمتانة والقوة على الحشائش والنباتات التي تنبت الحب أضعافًا كثيرة ؟ ثم كيف تكون هذه الأشجار البواسق ما هو عقيم لا يحمل وما يحمل الطلع المتراكب بعضه فوق بعض وكل ذلك آية الإتقان والإبداع ومظهر العناية بهذا الإنسان الجاحد المكذب ؟ وكيف ينزل المطر من السماء فتكون ضمن هذه الحياة ؟ يسوق الله ذلك كله في لوحة واحدة ليقول للناس بعد ( كذلك الخروج ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت