الحوار والاختلاف خصائص وضوابط
د. طه عبدالرحمن (*) 26/5/1423
كم من الحقائق الجليلة في أنفسنا ومن حولنا يمضي علينا زمان غير قصير لا نتعجب منها ولا نندهش لها ، على اعتبار أنها جلية لاخفاء فيها ، وقريبة لا ُبعد معها ، وفجأة نتفطن إليها تفطن الذي ألقي في روعه وكأنها لم توجد إلا ساعة تفطننا ، وأدعوكم قي هذا الدرس الافتتاحي المبارك إلى أن نتأمل جميعا في بعض هذه الحقائق الجلية ، عسى أن نقف على ما خفي علينا منها على قربها وجلائها .
أولا: طرح الإشكال الخاص بالحوار الاختلافي
1-حقيقتان كلاميتان
حسبنا من هذه الحقائق الجلية الخفية حقيقتان جميلتان اثنتان:
1-1 الأصل في الكلام الحوار
فلا نتكلم إلا ونحن اثنان ، بل نتكلم إلا ونحن زوجان؛ لأن الزوجين هما الاثنان المتواجدان ، والكلام لا يكون إلا بين اثنين موجودين هما:"المتكلم"و"المخاطب"فالمتكلم يزدوج بالمخاطب أو يتزاوج معه ، وميزة اللسان العربي لأنه يتضمن لفظا آخر يجري استعماله كمرادف للفظ"الكلام"لفظا يفيد لغة معنى هذا الإزدواج ، ألا وهو"الخطاب"فلا خطاب إلا مع حصول التوجه إلى الغير ، فالمتخاطبان اثنان متوجهان أحدهما إلى الآخر .
وليس لقائل أن يقول إن المرء قد يتكلم مع نفسه - أو يخاطب ذاته - ، فيكون واحدًا لا اثنين ؛ لأن الجواب على اعتراضه يكون من وجهين:
أولهما ، أن"الكلام مع النفس"- أو مخاطبة الذات - ليس حقيقة أصلية ، وإنما هي متفرعة عن حقيقة"الكلام مع الغير"- أو مخاطبة الغير - ذلك أنها تحصل منها بطريق المماثلة أو المشابهة ، حيث إنك تشبه علاقتك بنفسك بعلاقتك بغيرك ، فيعمل خيالك في الاختراع لها ما هو قوام العلاقة بالغير ، وهو صورة الكلام ، فتجعل نفسك متكلمة مع نفسك كما تتكلم مع غيرك ، أو قل -بإيجاز- إنك تقيس كلامك الداخلي على كلامك الخارجي قياسا موجبا .
الوجه الثاني: أن ذات المتكلم وإن كانت في حال الكلام النفسي ، واحدة خلقا ، فإنها اثنان خلقا ، ألست حين تكلم ذاتك تتصرف كما تتصرف الذاتان المتمايزتان فيما بينهما: وقد أقول ، -باصطلاح النظار- ، بأن لها تعددا اعتباريا لا واقعيا أو - باصطلاح البلاغيين-إن لها تعددا مجازيا لا حقيقيا .
وعلى الجملة ، فحيثما وجد اثنان متزاوجان ، بل زوجان ، فثمة حوار ، فإن كان الزوجان متمازيين خلقيا أو واقعيا أو حقيقيا ، كان الحوار حوارا مظهرا أو صريحا ، وإن كانا متمايزين خلقيا أو اعتباريا أو مجازيا ، كان الحوار حوارا مضمرا أو ضمنيا .
1-2 الأصل في الحوار الاختلاف
إننا لا ندخل - أنا وأنت - في الحوار ، إلا ونحن مختلفان ، بل إننا لا نتحاور إلا ونحن ضدان ؛ لأن الضدين هما المختلفان المتقابلان ، والحوار لا يكون إلا بين مختلفين متقابلين هما ،في الاصطلاح"المدَّعي"وهو الذي يقول برأي مخصوص ويعتقده و"المعترض"وهو الذي لا يقول بهذا الرأي ولا يعتقده .
وليس لقائل أن يقول إننا قد نلج باب الحوار ونحن على اتفاق في آرائنا كما نكون عندما نتجاذب أطراف الحديث أو نتذاكر في مسألة مشتركة ؛ لأن الجواب عن هذا الاعتراض يكون من هذين الوجهين:
أولهما ، أن"الحوار مع الاتفاق"- ولنسمه الحوار الاتفاقي - ليس حقيقة كلامية أصلية ، وإنما هي متفرعة عن حقيقة"الحوار مع الاختلاف - ولنسمَّه الحوار الاختلافي - ذلك أن هذا الاتفاق لا يخلو إما أن يكون قد تقدمه اختلاف أو لم يتقدمه ، فإن كان الأول ، فظاهر أن الاتفاق قد تفرع من الاختلاف ، لأنه يكون بمنزلة النتيجة التي أثمرها حوار صادق دخلت فيه أو دخل فيه غيرك وكان مداره على رفع الاختلاف الحاصل ، وإن كان الثاني ، فإن الاتفاق يحصل من الاختلاف بطريق المقابلة ، ومعلوم أن المقابلة نوع راسخ من الاختلاف ، فتكون قد قابلت علاقتك بموافقك بعلاقتك بمخالفك ، نافيا عن الأول ما ثبت بصدد الثانية ومثبتا لها ما انتفى عن هذه أو قل -بإيجاز- إنك تقيس حوارك الاتفاقي على حوارك الاختلافي قياسا منفيا ، فحقيقة قياسك المنفي هذا إذن أنه ممارسة اختلافية صحيحة ."