فهرس الكتاب

الصفحة 10685 من 27345

د. محمد عمر دولة*

الحمد لله والصلاة والسلام على رسولِ الله، وعلى آلِه وصَحبِه ومَن والاه.

وبعد، فإنَّ للشُّكرِ مَعانِيَ عَقديةً عظيمةً ومَعالِمَ إيمانيةً عَديدةً؛ فهو دليلُ المعرفةِ بالله عزَّ وجَلَّ، وعلامةُ التواضعِ له، والاعتِرافِ بفضلِه ومنِّه، وإدراكِ رحمتِه ونِعمتِه.

فالحمدُ ثناءٌ على الله عزَّ وجَلَّ بأسمائه الحسنى وصفاتِه العُلَى، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عَبدي نِصفَين؛ ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد:(الحمد لله رب العالمين) قال الله: حَمَدني عبدي, فإذا قال: (مالِكِ يومِ الدِّين) قال الله: مَجَّدني عبدي). [1]

فحَمْدُ اللهِ وشُكْرُه تَوَجُّهٌ إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ بالثناءِ الحسنِ والذِّكْرِ الجميل؛ كما قال أهلُ العلمِ:" (الْحَمْدُ) الوَصفُ بالجميلُ على جِهَةِ التفضِيل"، [2] و"الثناءُ على الله بِصِفاتِ الكَمالِ, وبأفعالِه الدائرةِ بين الفَضلِ والعَدلِ؛ فله الحمدُ الكامِلُ بجميعِ الوُجُوه". [3] فـ"الألف واللام في (الْحَمْدُ) ؛ لاستغراقِ جميع المحامِد. وهو ثناءٌ أثنَى به تعالى على نَفسِه؛ وفي ضِمْنِه أمَرَ عِبادَه أن يُثْنُوا عليه به". [4]

ورَحِمَ الله سيد قطب حيث قال:"يبلُغُ مِن فَضلِ اللهِ سبحانه وفَيضِه على عَبدِه المؤمن، أنه إذا قال: (الحمد لله) كتبَها له حسنةً ترجح كلَّ الموازين. وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حَدَّثهم أنَّ عبدًا مِن عبادِ الله قال: (يا رب لك الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وَجهِك وعَظيمِ سُلطانِك) ؛ فعَضَلَتْ الملَكَين؛ فلم يَدْرِيا كيف يَكْتُبانِها؟ فصَعدا إلى الله، فقالا: يا ربنا إنَّ عَبدًا قد قال مَقالةً لا ندري كيف نَكتبُها؟ قال الله وهو أعلم بما قال عَبدُه: وما الذي قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمدُ يا رب كما ينبغِي لجلالِ وَجهِك وعظيمِ سُلطانِك! فقال الله لهما: اكتُباها كما قال عبدي؛ حتى يَلْقانِي فأجْزِيه بها"! [5] والكريمُ إذا وَعَدَ العَطاءَ وأجْمَلَ؛ كان فَيضُه أكثَرَ وأجزلَ! [6]

وقد بَيَّنَ أهلُ العلمِ أنَّ الحمدَ ينشأ في قلبِ العَبدِ على قَدرِ مَعْرِفَتِه بِصِفاتِ اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ ذلك أنَّ الحمدَ"هو الشُّعُورُ الذي يَفِيضُ به قلبُ المؤمِنِ بِمُجرَّدِ ذِكْرِه لله؛ فإنَّ وُجُودَه ابتِداءً ليس إلا فَيْضًا مِن فُيُوضاتِ النِّعمةِ الإلهيةِ التي تَسْتَجِيشُ الحمدَ والثناءَ. وفي كل لَمحةٍ وفي كل لَحظةٍ وفي كلِّ خُطوةٍ؛ تتوالى آلاءُ الله وتتواكبُ وتتجمَّعُ وتغمُرُ خَلائقَهُ كلَّها، وبخاصةٍ هذا الإنسان؛ ومِن ثَمَّ كان (الحمدُ لله) ابتداءً، وكان (الحمدُ لله) خِتامًا قاعِدةً مِن قواعِدِ التصوُّرِ الإسلامي المباشِر: (وهو الله لا إله إلا هو له الحمدُ في الأولى والآخرة) ". [7]

ومِن عَظمةِ حَمْدِ الله تعالى وشُكرِه والثناءِ عليه عزَّ وجلَّ بما هو أهلُه ؛ أنْ تَعلَّقَت أعْظمُ سُورةٍ في القرآن بالحمد؛ فسُمِّيَتْ الفاتحةُ ـ أُم القرآن ـ (سُورةَ الحمد) ، وهي التي لم يُنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مَثلَها؛ وذلك لاشتمالِها على الثناءِ على الله بما هو أهلُه، [8] فقد تضمَّنَت"الثناءَ على الله ثناءً جاِمعًا لِوَصْفِه بِجميعِ المحامِدِ، وتَنْزِيهِه عن جَميعِ النقائص، ولإثباتِ تفرُّدِه بالإلهية وإثباتِ البعثِ والجزاءِ. وذلك مِن قولِه: (الحمد لله) إلى قولِه: (ملك يوم الدين) ". [9]

ومما يدلُّ على أهميةِ الحمدِ وجَلالتهِ وعَظمتِه عند اللهِ تعالى؛ أنَّ الله عزَّ وجَلَّ قد جَعَلَ الحمدَ مَطلعَ مُناجاةِ العَبدِ ربَّه في صَلاته ودُعائه، فـ (الحمد لله) أولُ الكلماتِ التي تخطرُ على الجَنان وتجري على اللسانِ كلما استقبلَ العبدُ الصلاةَ أو توجَّه إلى اللهِ بالدعاء؛ فإنَّ حَمْدَ اللهِ مِفتاحُ كلِّ خَيرِ؛ ولذلك كانت الأدعيةُ والأعمالُ التي تُفتَتَحُ بالدعاءِ مقبولةً مُباركةً. وما ألطفَ قولَ ابن عاشور رحمه الله:"لما لُقِّنَ المؤمِنُون هاته المناجاةَ البديعة التي لا يهتدي إلى الإحاطةِ بها في كلامِه غيرُ عَلاَّمِ الغُيوبِ سبحانه؛ قُدِّمَ (الحمد) عليها؛ لِيَضَعَه الْمُناجُون كذلك في مُناجاتِهم جَريًا على طريقةِ بُلَغاءِ العربِ عند مُخاطبةِ العظماءِ أنْ يَفْتَتِحُوا خِطابَهم إياهم وطِلْبَتَهم بالثناءِ والذِّكرِ الجميل. قال أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:"

أأذكُرُ حاجتي أم قدْ كفاني حَياؤك إنَّ شِيمَتَك الحياءُ!

إذا أثْنَى عليكَ المرءُ يومًا كفاه عن تعرُّضِهِ الثناءُ!

فكان افتِتاحُ الكلامِ بالتَّحميدِ؛ سُنَّةَ الكتابِ المجيدِ لِكلِّ بَلِيغٍ مُجِيدٍ؛ فلم يزل المسلمون مِن يومِئذ يُلَقِّبُون كلَّ كلامٍ نَفِيسٍ لم يَشتمِلْ في طالعِه على الحمدِ بالأبتر". [10] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت