فهرس الكتاب

الصفحة 3035 من 27345

يتناول الدرس تعريف اتباع الهوى وحقيقته في ميزان الشرع، والأسباب التي تدعو إلى ذلك، وما هي مظاهر اتباع الهوى وآثاره على الشخص نفسه ثم أثره على العمل الإسلامي، وكيفية التغلب على الهوى .

مفهوم اتباع الهوى:

لغة: هو السير وراء ما تهوى النفس، وما تشتهي، بل ما تحب وتعشق .

اصطلاحا: المراد باتباع الهوى في الاصطلاح الشرعي والدعوي: هو السير وراء ما تهوى النفس وتشتهي، أو النزول على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل، أو رجوع إلى شرع، أو تقدير لعاقبة.

حقيقة اتباع الهوى في ميزان الإسلام:

اتباع الهوى المذموم في نظر الإسلام- وهو المذكور في المعنى الاصطلاحي- هو الذي عناه:

قول الله: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا [135] { [سورة النساء] وقوله:} وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [26] { "سورة ص" وقوله:} وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [3] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [4] { [سورة النجم] } وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [40] فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [41] { [سورة النازعات] وقوله:} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [176] { [سورة الأعراف] وقوله:} وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [50] [سورة القصص] .. وآيات أخرى كثيرة.

كما عناه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: [ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ] رواه الترمذي وابن ماجه . وقوله: [...وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ] رواه مسلم وأحمد.

أسباب اتباع الهوى:

1-عدم التعويد على ضبط الهوى منذ الصغر: ذلك أن الإنسان قد يلقى من أبويه منذ الصغر حبًا مفرطًا، بحيث يطغى هذا الحب على تنمية الضوابط الفطرية والشرعية التي لابد منها لتنظيم الرغائب أو الدوافع، فيكبر هذا الإنسان، ويكبر معه الانسياق وراء العواطف والرغائب، حتى لو كانت مخالفة للمشروع، إذ من شبّ على شيء شاب عليه، إلا من رحم الله، قال في'منهج التربية الإسلامية':'والأم التي ترضع طفلها كلما بكى، لكي يسكت، أو لأنها لا تطيق أن تسمعه يبكي، تضره بذلك؛ لأنها لا تعينه على ضبط رغباته، ولا تعوده على ذلك الضبط في صغره، فلا يتعوده في كبره، ومن منا تتركه ظروف الحياة لرغباته يشبعها كما يشاء؟! وذلك فضلًا عن أن المسلم بالذات ينبغي أن يتعلم الضبط، ويتعوده منذ باكر عمره ؛ لأن الجهاد في سبيل الله لا يستقيم في النفس التي لا تستطيع ضبط رغباتها، فتنساق معها، وكيف يمكن الجهاد بغير ضبط للشهوات والرغبات، حتى إن كانت في دائرة المباح الذي لا إثم فيه في ذاته، ولكنه يصبح إثمًا حين يشغل عن الجهاد في سبيل الله: قُلْ إِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [24] [سورة التوبة] . فكل ما ذكرته الآية ليس محرمًا في ذاته، ولكنه صار فسقًا وحرامًا حين أصبح سببًا في القعود عن الجهاد في سبيل الله، وحين رجحت كفته في ميزان القلب على حب الله ورسوله، والجهاد في سبيله! فما الوسيلة للاستقامة على ميزان الله إلا ضبط هذه الرغبات، والاستغناء عنها حين تحول بين الإنسان وبين سبيل الله! والضبط مقدرة يتدرب الإنسان عليها، وعادة يتعلمها، وكلما تدرب عليها وهو صغير كان أقدر عليها، وأكثر تمكنًا منها، فيجدها حاضرة في أعصابه حين تفجؤه الأحداث' .

2-مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم: ذلك أن العواطف تنمو بالمجالسة وطول الصحبة، وعليه فمن لازم مجالسة أهل الأهواء، وأدام صحبتهم؛ فلابد من تأثره بما هم عليه، لاسيما إذا كان ضعيف الشخصية، عنده قابلية التأثر بغيره من أولئك الناس..وقد وعى السلف هذا السبب، فأكثروا من التحذير من مجالسة أهل الأهواء، بل والتعامل معهم، فعن أبى قلابة قال:'... لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون' . وأُثِرَ عن الحسن، وابن سيرين قولهما:'ولا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم' .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت