دقائق مع صهيب (رضي الله عنه)
الدكتور محمد أديب الصالح
دراسة سير الأعلام في التاريخ أمر ذو أهمية بالغة الأثر في تكامل الثقافة والإعداد من أجل أن يأخذ الفرد دوره الفعال في حياة الجماعة وبناء المجتمع ، ونحن أمة أكرمنا الله بأن كان أعلامنا صورة حية واقعية للمبادئ التي حملوها ، ولم يبخلوا بالعطاء في سبيلها ؛ فإذا قرأت سيرة واحد من هؤلاء وقعت على الأنموذج الذي تعتبر حياته إعلانًا أي إعلان ينادي في الناس أن الإسلام وطاقات الإنسان على سبيل سواء ، وأن أولئك الرجال الذين اختصهم التاريخ واستودع أيامهم صفحاته ، إنما بلغوا ما بلغوا ، بحرصهم على الوفاء بموثقهم من الإسلام ، وإقدامهم حيث يتعين الإقدام ـ وصبرهم على مستلزمات العقيدة حيث لا يصبر إلا أقوياء الإيمان ـ فلا المال ولا الولد ولا حب الحياة بصارف عن هذا الذي هو إقدام ، ولا بمثبط عن ذاك الذي هو صبر وعطاء .
والحقيقة التي لا يسع منصفًا جهلها أو تجاهلها ، أن المسلمين الأوائل كانوا أقدر على نشر الإسلام في الجزيرة العربية ، ثم في تميزها من بقاع الأرض بذلك السلوك الفريد الذي كان ترجمان القرآن الذي حملوه إلى الناس ، وكان التعبير الفطري الميسر عن منهجهم في التفكير والطريقة التي تحكم سلوكهم تجاه أنفسهم وتجاه من يدعونهم إلى الإسلام .
وما أحسب أن واقعة من الوقائع التي يصنعها المرء بسلوكه وعطائه يمكن أن تبتلعها الأيام فلا تعطي عطاءها على ساحة البناء أو يندرس أثرها في التاريخ ؛ فالأجيال المتلاحقة تفيد وما تزال بحاجة إلى أن تفيد أكثر وأكثر من العمل القدوة الذي يصنعه الوعي الإنساني بوصفه إنسانًا ، ويأخذ أبعاده بعمق وشمول منسقين مع العقيدة التي يحملها ، والفكر الذي يدعو غليه .
واليوم وقد كثرت المعوقات والمثبطات ، تبدو ضرورة ملحةً دراسة تلك النماذج بأصالة وعمق ، من أجل أن يكون ذلك عونًا للفرد على الإسهام الإيجابي النافع في كل ما هو خير لمجتمعه وأمته .
وعلى هذه الطريق المشرقة النيرة نحن على موعد مع قبسات من حياة واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذلك هو صهيب بن سنان الرومي .. ويقال: خالد بن عمرو بن عقيل . وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم ، ولقد ثبت أنه ليس برومي ، ولكن قيل له ذلك لأن الروم سبوه صغيرًا ، رحمه الله ورضي عنه .
ويقول ابن سعد في (الطبقات) : كان أبوه وعمه على الأُبُلّة من جهة كسرى ، وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل ، فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن ، ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي فأعتقه ، على أنه هو في حديث له مع عمر بن الخطاب قال عن نفسه: وأما انتمائي إلى العرب ؛ فإن الروم سبتني صغيرًا ، فأخذت لسانهم . روى ذلك البغوي من طريق زيد بن أسلم عرابيه .
ولقد كان صهيب من السابقين إلى الإسلام والإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فهو واحد من سبعة هم أول من أظهر إسلامه .
ولم تمر إسلامه دون أن يدفع ثمنها غاليًا ، ولكن ما عند الله خير وأبقى لأولئك الذين صبروا على ظلم قريش وأذاها عندما آووا إلى دعوة الإسلام . جاء في صحيح الأخبار أن عمار بن ياسر كان يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وكذا صهيب ، وعامر بن فهيرة وقوم ، وفيهم نزل قوله تعالى في سورة النحل: [ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ، ثم جاهدوا وصبروا ، إن ربك من بعدها لغفور رحيم] .
أجل: لقد كان صهيب من المستضعفين ممن يعذب في الله ، فما غيّر ولا بدل ، بل صدق ما عاهد الله عليه ، وصبر وصابر، وقد هاجر إلى المدينة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر من هاجر في تلك السنة ، فقدما في نصف ربيع الأول ، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها .
ومن كريم مواقفه في البذل ، والشجاعة في مواجهة الباطل وأهله ما روي أنه لما هاجر، تبعه نفر من المشركين ، فسئل فقال: يا معشر قريش ، إني من أرماكم ، ولا تصلون إليّ حتى أرميكم بكل سهم معي ، ثم أضربكم بسيفي ، فإن كنتم تريدون ما لي دللتكم عليه ، فرضوا ، فعاهدهم ودلهم ، فرجعوا فأخذوا ماله ، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ربح البيع ، فأنزل الله عز وجل: [ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد] .
لقد كان رحمه الله شجاعًا صادق التوكل حين لم يخفه تهديد هؤلاء النفر من المشركين ووعيدهم ، بل هددهم بأن يستنفد ما في وسعه في قتالهم ، وكان شجاعًا صادق التوكل أيضًا حين نزل على كل ما يملك من المال في سبيل أن يسلم له دينه ، وتتم له هجرته ، وفي غمرة ذلك كله كان مثال الوفاء حين عاهدهم ودلهم ، وهم المشركون ـ فرجعوا بكل جشعهم وخيلائهم وأخذوا ماله .