فهرس الكتاب

الصفحة 5352 من 27345

التديُّن المزدوج!

علي صالح طمبل*

الفتاة التي تغطي شعرها في الشارع وتؤمن بأنها محجبة قد تكون هي ذات الفتاة التي تراها تقف مع صديقتها أمام باب المنزل بشعر مكشوف. والفتاة التي تراها ترتدي العباءة السوداء والقفاز في المواصلات العامة قد تجدها هي نفس الفتاة التي تجول متبرجة في عرس شقيقها أو صديقتها المقربة وهي تتذرع بأن العرس مناسبة لا تأتي إلا مرة واحدة في العمر!

والرجل الذي تراه يصلي في المسجد الصلوات الخمس قد يكون هو ذات الرجل الذي تراه يصطحب زوجته وبناته بكامل زينتهن إلى حفل ساهر يختلط فيه الحابل بالنابل. والشاب الذي يضع المسبحة على عنقه لعله يكون هو نفس الشاب الذي يسهر مع الأفلام الماجنة حتى يتسلل إلى نافذته أول خيط من الفجر!

هذه الازدواجية في التدين تحصر الدين في مواضع معينة وتقصيه عن المواضع الأخرى، وتضع الدين في رهان خاسر مع العادات والتقاليد المنافية له، وتقدِّم رضا النفس على رضا خالقها؛ وكأن الدين ما جاء لينظم كافة مناحي الحياة دون تمييز ما دامت كلها في النهاية تؤدي إلى الهدف الأسمى وهو عبادة الله عزّ وجلّ. قال تعالى: (قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرتُ وأنا أولُ المسلمين) (الأنعام: 162) .

ومشكلة البشرية كلها مع الدين منذ القدم وحتى قيام الساعة ـ على حد قول الشيخ محمد سيد حاج ـ هي الخوف على المصلحة الخاصة؛ لذلك نجدها تُقدّم المصلحة الخاصة في كثير من الأحيان على الدين عندما يتعارض الدين معها، مع أن الخالق عز وجل قد شرع الدين لما فيه المصلحة والسعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة. ولا شك في أن خالق العباد أعلم بمصلحتهم منهم. قال تعالى: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى* ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى) (طه: 123-124) .

والذين يريدون تطبيق الدين على هواهم بأخذ ما يتماشى مع مصالحهم وترك ما يتعارض معها، هؤلاء سيظل الدين بالنسبة إليهم مظهرًا من المظاهر الاجتماعية يجارون به موجة النفاق الاجتماعي التي تفشت في مجتمعاتنا، ولن ينفذ الدين أبدًا إلى أعماقهم؛ لأن الدين في حقيقته قول وعمل، ومظهر وجوهر، ولا يمكن الاستغناء عن جانب من جوانبه دون الآخر. قال تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) (البقرة: 85) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت