بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
لا تقوم الأمة الإسلامية الواحدة على أساس من هيكل سياسي واحد فحسب، ولا على أساس من ارتباط مصالح اقتصادية فقط، ولا على توحيد مناهج تربوية، أو على التقاء أعراف وتقاليد، ولغة وتاريخ، وإن كانت كل هذه العوامل وكثير غيرها يمكن أن يكون دليلًا على وحدة الأمة، أو مظهرًا من مظاهرها، أو رمزًا من رموزها، أو عاملًا مساعدًا على بنائها.
فالأمة المسلمة الواحدة تقوم قبل كل شيء على جوهر صاف، وتلتقي على أسس عميقة في وجودها وكيانها، وتلتف كلها حول محور واحد ثابت يجمعها. إن هذا الجوهر والمحور، وإن تلك الأسس العميقة كلها، يمكن أن نعبر عنها بكلمة ( الحق ) . إنه الحق الذي يقوم عليه الكون كله، والخبر كله. إنه (التوحيد) بامتداد معانية ومداه إلى جميع آفاق الحياة الدنيا، إنه التوحيد الذي يربط الحياة الدنيا بالآخرة، إنه التوحيد الذي قضت مشيئة الله أن يكون أمة في الأرض تحمله رسالة ونهجًا، وتجاهد في الحياة الدنيا من أجله، لتنشره في الأرض صلاحًا وخيرًا وبرًا وإحسانًا.
هذه الأمة التي قضت مشيئة الله أن تقوم في الأرض، لتحمل رسالة الله إلى الناس، على مدى العصور والدهور، هذه الأمة هي أمة الإسلام، أمة التوحيد، أمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فعلى هذا الأساس تقوم هذه الأمة، وهذا هو جوهرها، وهذا هو محور كيانها ووجودها.
{ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } [ الأنبياء: 92] .
هذه الأمة التي امتدت مع تاريخ الإنسان كله في الأرض، لتمثل أشرف انتساب، وأعز أرومه، ولتمثل جوهر الخير والصلاح، وحقيقة الأخوة والحرية، وأمانة العدالة، وقوة الأمن، وبهجة السعادة. هذه الأمة لم تعد حاجة العرب وحدهم، ولا حاجة منطقة الشرق الأوسط، ولا حاجة أي شعب محدود أو قطر محدود، إنها حاجة الإنسان حيثما كان، حاجة الشعوب كلها والأقطار كلها والعصور كلها. إنها الهواء والماء للإنسان، وإنها الغذاء لوجوده الصادق كله. إنها السلام الصادق، والأمن والأمان، والحرية والعدالة والإخاء، في أصفى معانيها، لمن يريد أن يكون هذا حقًا تقوم الحياة عليه، لا شعارًا زائفًا وزخرفًا كاذبًا تتاجر به الثورات والشهوات والأهواء، والمصالح الدنيوية المادية المتصارعة. من أجل الإنسان ومسئوليته في الحياة الدنيا من خلافة وعبادة وأمانة وعمارة، من أجل تحقيق عبوديته لله، ووفائه بعهده مع الله، من أجل ذلك كله يكون قيام الأمة المسلمة الواحدة في الأرض ضرورة دين وعبادة وسياسة واقتصاد، واجتماع وسعادة، ضرورة حياتية وأخروية، ضرورة لا غناء عنها. وسيظل غياب هذه الأمة عن حياة الإنسان في الأرض سببًا لفوران الشهوة والفساد والإجرام فيها.
ولقد بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، مبشرًا ونذيرًا، خاتم الأنبياء والمرسلين عندما أمتد الفساد في الأرض وظهر. فكان قيام الأمة الإسلامية أو امتدادها آنذاك ضرورة لصلاح الإنسان وخيره، ضرورة حضارية، إنسانية، إيمانية. ويصف القرآن الكريم فترة البعثة النبوية، وضرورة قيام الأمة المسلمة، لتحمل رسالة الله في الأرض، بقوله سبحانه وتعالى:
{ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين * فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون * من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحًا فلأنفسهم يمهدون }
[ الروم: 41ـ44] .
لابد أن نعي هذه الحقيقة وعيًا كاملًا، لندرك خطورة القضية التي نعرضها، قضية قيام الأمة المسلمة الواحدة في الأرض. ولندرك كذلك مدى الإفساد الذي يقع في حياتنا وفي حياة الإنسان عامة في الأرض إذا تهاونا عن تحقيق هذه القضية ولندرك عظيم الجريمة التي يرتكبها الظالمون بحق الإنسان، وبحق الشعوب كلها حين يصدون عن سبيل الله، وحين يقاومون مسيرة الحق، ويقاومون بناء الأمة المسلمة في الأرض.
ولابد كذلك أن تدرك الحركات الإسلامية هذه الحقيقة، لتعلم مدى مسئوليتها في قضية قيام الأمة المسلمة الواحدة ومدى الخطر الذي يتحقق نتيجة الشقاق والتدابر، والتمزق والشتات، وضياع الجهود ووهنها.
وإذا كان لقاء الحركات الإسلامية أمرًا ضروريًا لبناء الأمة المسلمة الواحدة، فإن تحقيقه يتيسر ما دامت الحركات الإسلامية صادقة في نهجها، زاهدة في شهوات الدنيا، مقبلة على نعيم الآخرة، مدركة عظيم مسئوليتها بحق الإنسان. فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يضع هذه المسئولية على أكتاف رجالها الصادقين الثابتين، إذا تولى الضعفاء والمنافقون:
{ هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } . [ محمد: 38] .