أ.د. أحمد علي الإمام*
هذه رسالة في القنوت تشرح معناه في لغة القرآن الكريم، وتفسر الآيات التى جاء فيها ذكر القنوت، مع بيان مشروعية قنوت النوازل وضرورته في عصرنا هذا، وتبين آداب القنوت وأحكامه ومذاهب الفقهاء في وقته ومحله، وما يجزئ من القنوت، وألفاظه وشرح غريبه وسعة الهدى النبوى في ذلك، وأهم شئ في القنوت ان يتحقق من يدعو بالمعانى الجامعة لكلمة القنوت، من الاشتغال بذكر الله والخشوع في الصلاة والقيام، وان يدعوه سبحانه وتعالى مقرين له بالعبودية، مخلصين له الدين (وما أمروا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)
وحقًا (إنما يتقبل الله من المتقين) ثم أنه (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) والمؤمنون يعتمدون في أعمالهم كلها على عناية الله ويتوكلون عليه وحده ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا )
ونحن مندوبون إلى سؤال الله تعالى ودعائه، مفتقرين إليه منكسرين له حتى نكون اقرب للإجابة ونيل المطلوب، كما وجهنا نبينا صلى الله عليه وسلم) إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم)
والله تعالى نسأله أن يجعلنا من عباده القانتين .
دواعى الكتابة عن القنوت وهي كثيرة علمية وعملية على نحو ما يلى:
اولًا: الدواعي العلمية:
لبسط العلم ونشر سننه وآدابه وذلك لما يلي:
أـ خفاء فقه القنوت .
ب ـ تعدد الآراء .
ج ـ التنازع حول مسألة القنوت .
د ـ غفلة الأمة عن القنوت .
ثانيًا:
الدواعي العملية: نواجهها في حياتنا المعاصرة مع واقع المسلمين اليوم ومن ذلك:
أ ـ الهجمة الشرسة من الكفار على المسلمين بمختلف الاشكال والأنواع والصور
ب ـ ظلم كثير من حكام المسلمين، للانفصام الحادث في مواقفهم وأحكامهم بين السلطان والقرآن، وبين السيف والقلم مع التبعية المخزية للكفار وموالاة غير المؤمنين
ج ـ غفلة عامة المسلمين عن هذا الواقع المرير، وإنه لمن النوازل حقًا عدم اعتبار المسلمين لذلك، وعدم انتباههم إلى أن ما حل بالمسلمين في مشارق الارض ومغاربها يستدعى قراءة قنوت النوازل .
د ـ حالة الضيق والتمزق الذي قد يصيب بعض من نذر نفسه أن يكون مصلحًا فيواجه مكر الليل والنهار وليس له إلا أن يخلص في دعائه والتجائه إلى ربه .
هـ ـ دعوة المسلمين كافة للإكثار من القنوت والتوسع فيه وعدم التعرض لمن يقنت لأن الأمر في فقه الدين واسع .
وـ أهمية القنوت في تزكية النفوس وإعلاء القيم الروحية وتوثيق صلة العباد بربهم ، والاهتمام بأمر المسلمين، وتنمية العلاقات الاخوية والاجتماعية .
وأخيرًا كانت هذه الرسالة لأجل هذه الدواعي مجتمعة ولنتقرب بذلك كله إلى ربنا جل جلاله وهو قريب ممن دعاه ( واذا سألك عبادي عني فأني قريب اجيب دعوة الداعي اذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون )
ونشرع في بيان المقصود والله المستعان
اولًا: معاني القنوت في اللغة
يرد القنوت في لسان العرب على المعاني التالية:
1ـ الإمساك عن الكلام والسكوت .
2ـ الدعاء والتسبيح .
3ـ الصلاة .
4ـ الدعاء في الصلاة .
5ـ الخشوع والإقرار بالعبودية .
6ـ القيام .
7ـ إطالة القيام .
8ـ القيام بالطاعة التي ليس معها معصية .
فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله اللفظ في سياقه من آية او حديث او عبارة .
أ / قال ابن سيده: فيما نقله عنه ابن منظور في كتابه"لسان العرب"القنوت الطاعة، هذا هو الأصل ، ومنه قوله تعالى ( والقانتين والقانتات ) ثم سمي القيام في الصلا ة قنوتًا ، ومنه قنوت الوتر .. والقانت: المطيع القانت: الذاكر لله تعالى ، كما قال عز وجل: ( أمّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا ) .
وقيل: القانت: العابد .
والقانت في قوله عز وجل: (وكانت من القانتين ) أي من العابدين .
والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء . وحقيقة القانت أنه القائم بأمر الله ، فالداعي إذا كان قائمًا خص بأن يقال له قانت ، لأنه ذاكر لله تعالى ، وهو قائم على رجليه ، فحقيقة القنوت العبادة والدعاء لله عز وجل ، في حال القيام ، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة ، لأنه إن لم يكن قيام بالرجلين ، فهو قيام بالشيء بالنية .
قال ابن سيده: والقانت القائم بجميع أمر الله تعالى
(ب) وجاء في مفردات الراغب الأصفهاني في تفسير معنى القنوت أنه:
لزوم الطاعة مع الخضوع وفسر بكل واحد منهما في قوله:
1ـ ( وقوموا لله قانتين ) وقوله تعالى: ( كل له قانتون ) قيل خاضعون وقيل طائعون .