د. عبد الكريم بكار 21/12/1424
إذا كان الخطاب الصفوي خطابًا تنشئة الخاصة، وتتداوله الصفوة؛ فإن الخطاب التبليغي تصنعه الخاصة، وتقوم باستخدامه شريحة متوسطة بين الخاصة والعامة، إذ توجهه إلى عامة المسلمين. الخطاب التبليغي يشكل أداة مهمة لتوحيد الثقافة عند حدودها الدنيا، كما أنه يعد الوسيلة الأساسية لتذكير الناس بالمبادئ والأصول والأدبيات الإسلامية. ولهذا فإن رقعة تداوله واسعة جدًّا ومن هنا فإنه اكتسب صفة (الشعبية) . وشعبيته هذه تملي عليه أن يتصف بخصائص وسمات، ويتعرض لأزمات ومشكلات يحسن بنا الوقوف عندها، ولعل أهمها الآتي:
1-الوضوح: من المهم أن يكون الخطاب التبليغي واضحًا غاية الوضوح، حيث إن تدني المستوى المعرفي لأولئك الذين يتلقونه يوجد في أذهانهم الكثير من الالتباس والخلط في التفسير. ولو أنك سألت عشرة من الناس عن خلاصة ما فهموه من إحدى خطب الجمعة لوجدت تفاوتًا بيَّنًا في خلاصاتهم. إن من الحيوي أن ندرك أن سوء الفهم ليس حادثًا نادرًا، وأن الواحد منا لو شرح فكرته عشرين مرة، فليس هناك أي ضمان لاستيعاب السامعين لها على النحو الذي يريد.
إن اللغة ناقل غير كفء، وإن الناس حين يسمعون كلامًا يفهمونه في ضوء ما لديهم من خلفيات معرفية، بل إن كثيرًا منهم يقرؤون تلك الخلفيات ويبلورونها عوضًا عن الاشتغال بفهم ما سمعوه.
ومن هنا فإن من المفيد أن نحاول التأكد من أن الناس فهموا فعلًا ما نقوله لهم كما نعنيه تمامًا . تكرار بعض المقاطع، وعدم تركيز المعاني في ألفاظ قليلة، وعدم الإكثار من ذكر أعداد التقسيمات والفوائد والمضار من الأمور التي تضفي على الخطاب طابع الوضوح، وتجعله قريبًا من تناول الأفهام. وقد كان - صلى الله عليه وسلم- يكرر بعض الجمل المهمة حتى تُحفظ عنه. والتكرار يساعد الذاكرة، ويخفف العبء عن جهاز الإدراك والتحليل. ومن الملاحظ في القرآن الكريم وفي السنة النبوية أن الخصال والميزات والأقسام على نحو عام لا تتجاوز الخمسة إلا على سبيل الندور، وذلك حتى لا يشق على الناس حفظها.
وأعتقد أن التركيز على شرح التعريفات يساعد الناس على الفهم الصحيح، وإذا أوردنا مصطلحًا غريبًا فلنحاول تبسيطه قبل تجاوزه.
2-التأثير والإقناع يشكل هدفًا مزدوجًا للخطاب التبليغي الشعبي، وربما كان طابع التأثير ألصق به، حيث إنه في الغالب لا يشتمل على معلومات جديدة، ولا يكشف عن خبايا وقضايا مجهولة، إنه يذكر بالأصول والحدود والآداب، ويستنهض الهمم للزوم الجادة والأخذ بالتي هي أقوم، كما أنه يحذر الناس من عواقب المعاصي والشرور التي انزلقوا إليها. وهذا كله جعل حامل هذا الخطاب محتاجًا إلى أن يمتلك قدرًا غير قليل من الحماسة لمقولاته وقدرًا من العاطفة الجياشة؛ لأنه من غير ذلك لا يستطيع التأثير في عواطف السامعين، ولا يظهر الفرق بين النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة- على حد قول أحدهم-. وهذا يملي على الخطباء والوعاظ خصوصًا وحملة هذا الخطاب عمومًا أن يدخلوا في موازنة دقيقة، بين البقاء أوفياء للحقائق التي يبشرون بها والأدلة والبراهين التي يستندون إليها، وبين كسب القلوب التي يحاولون التأثير فيها، إنهم يجدون أنفسهم في حالة من التردد بين الحقيقة والعاطفة؛ وإن التاريخ ليشهد، وإن الواقع لينطق بأن الذين أخفقوا ويخفقون في إقامة هذه الموازنة أكثر بكثير من الذين ينجحون. وظاهرة (القصّاص الكذبة) ليست ظاهرة تاريخية، نقرأ عنها، وإنما هي ظاهرة مستمرة، فتذوق منها مرارة يومية. ومن المعروف أن بعض القصّاص والوعاظ وضعوا أحاديث ونسبوها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وكان دافعهم - في أحسن الأحوال- تكثير سواء المهتدين. وحين ذُكَّر أحدهم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"قال: نكذب له لا عليه!! وفي أيامنا هذه انتشر في العالم الإسلامي وباء المبالغة والتهويل في ذكر المحاسن والإيجابيات وذكر المساوئ والسلبيات. وهذا لا يختلف كثيرًا عن تضليل العقول بالكذب الصراح! وهناك أشخاص يلبسون ثياب الدعاة الهداه، لكنهم لا يملكون شيئًا من رشد الداعية ولا تذمم الفقيه، وهم ينشرون الخرافات والأوهام والغرائب والشذوذات ويصورونها للناس على أنها من الأمور الثابتة والبينة التي لا تقبل الجدل والنظر!
إن تنمية الخطاب التبليغي وتنقيته من الشوائب تعد مسؤولية عامة لكل أهل الفهم والغيرة، وإن قوله - صلى الله عليه وسلم-:"بلغوا عني ولو آية"يفيدنا أن في إمكان السواد الأعظم من الناس أن يقوموا بواجب البيان والتبليغ. وإن هذا الخطاب يحمل - على نحو جوهري- عبء القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يعني أن أعدادًا كبيرة من المسلمين تسهم في تشويهه، وتستطيع في الوقت ذاته - لو أرادت - النهوض به.