فهرس الكتاب

الصفحة 20762 من 27345

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله لله وعلى آله وصحبه تسليمًا كثيرًا .

أما بعد:

فقد أنزل الله تبارك وتعالى القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا ، وقد ضمن في هذا الكتاب الهدى والشفاء، لأوليائه المؤمنين خاصة وللناس عامة، موعظة وإنذارًا ، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) ) (يونس:57، 58) .

ففي هذه الآية يبين الله عز وجل أن هذا القرآن العظيم ؛ جاء موعظة للناس كافة ، وشفاء لصدور المؤمنين ، ورحمة لهم بصفة خاصة .

فالمؤمنون وحدهم هم الذين ينتفعون بمواعظ القرآن ، ومن سواهم فهو عليهم عمىً ؛ كما قال تعالى: (( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً ) ) (فصلت:44) .

ومن بين مواعظ القرآن العظيمة ما ذكره سبحانه وتعالى في سورة سبأ، عن محاجة المشركين الذي كذبوا رسول - صلى الله عليه وسلم - ورموه بالسحر تارة وبالجنون تارة أخرى: قال تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) ) (سبأ:46) .

وهذه الآية وإن كانت موجهة إلى المشركين الذين رموا الرسول لله بما هو منه براء إما لجهل أو لهوى، فإنها تخاطب جميع المشركين في كل زمان ومكان ، بل جميع المختلفين في قضايا هذا الدين أصوله وفروعه، وترسم منهجًا لحل خلافاتهم ، وأصولًا لحواراتهم ، وتخط لهم صراطًا مستقيمًا من وحي كتاب الله العظيم ، والذي من سار عليه واتبعه وصل إلى الحق والهدى ،ومن تنكبه واتبع هواه ضل طريقه ،وإن واصل السعي بالليل والنهار .

تفسير الآية

قبل ذكر أقوال بعض المفسرين حول هذه الآية نذكر ما قبلها من الآيات حتى يتضح المقصود . يقول الله عز وجل: (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ * وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) ) (سبأ:43 - 46)

من هذه الآيات البيّنات يتضح لنا أن هذه الموعظة الموجهة إلى مشركي قريش كانت بسبب اتهامهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -بالكذب تارة ،وبالسحرة تارة أخرى ، دون تفكير أو تدبر، شأنهم في ذلك شأن الذين يتبعون أهواءهم ، وآثار آبائهم ومتبوعيهم دون دليل.

وقد أقام الله عز وجل هذه الموعظة العظيمة التي مَنْ أخذها بجميع مقوماتها فلابد أن يصل إلى الحق ؛ وهو في الآية:كون النبي- صلى الله عليه وسلم - رسولًا من عند الله عز وجل ،ونذيرًا لهم بين يدي عذاب شديد، وليس كما يزعمون ويرددون دون وعي ولا نظر بأنه ساحر أو كاذب أو مجنون (( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) ) [سبأ:46] .

ولكي يحصل الانتفاع بهذه الموعظة العظيمة فلابد من الأخذ بجميع المقومات التي قامت عليها هذه الموعظة ، وهي:

* القيام لله تعالى: (( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ) )، والتجرد في طلب الحق.

* مراجعة النفس والخلوة بها أو مع شخص ثانٍ: (( مَثْنَى وَفُرَادَى ) ).

* التفكر فيما يقوله المخالف: (( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) ).

وتظهر أهمية هذه المقومات في كلام علماء التفسير رحمهم الله تعالى.

قال الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير- حول قوله تعالى: (( إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ) ):

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت