فهرس الكتاب

الصفحة 16730 من 27345

أمير بن محمد المدري

الحمد لله الذي جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وجعل فيها كتابه خير منهاج ونبراس، وبذر فيها بذور الخير ففاح شذًا وطاب غراس، اصطفاها من بين سائر الأمم، وأفاض عليها ما شاء من النعم، ودفع عنها كل شر وبأس. وأصلي وأسلم على من كان لظلامنا بإذن الله ضياء، ولأبصارنا جلاء، جاءنا على حين فترة من الرسل، وانطماس من السبل، فجلى المبهمات، وكشف الغياهب والظلمات، وجاء من عند ربه بكتاب معجز الآيات، واضح البينات، فانهدم بنيان الوثنية، وارتفع لواء الحنيفية. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الفقهاء العلماء الأكياس، وعلى من سار على نهجهم واتبع دربهم ما ترددت في الصدور الأنفاس. أما بعد: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) آل عمران: 102. (يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء: 1 (يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) الأحزاب: 70-71.

وبعد عباد الله:

مع سورة مباركة مع سورة أحبها رجل فأحبه الله مع سورة قراءتها تعدل ثلث القرآن إنها سورة الإخلاص..

حُدّث أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ: (قل هو الله أحد) سورة الإخلاص يردّدها، فلما أصبح جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، وكان الرجل يتقالّها ـ أي: يراها قليلة ـ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ) )..

وقال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: (( أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ ) )فشقّ ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: (( الله الواحد الصمد ثلث القرآن ) ). وأمر - صلى الله عليه وسلم - الصحابة أن يحتشدوا، فقال: (( احْشُدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن ) )، فحَشَد من حَشَد، ثم خرج نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ: (( قُلْ هُوِ اللهُ أَحَدٌ ) )السورة ثم دخل، قال أبو هريرة: فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن ) )، إني لأرى هذا خبرًا جاء من السماء، ثم خرج نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن ) ).

(قل هو الله أحد) ..وهو لفظ أدق من لفظ"واحد"..لأنه يضيف إلى معنى"واحد"أن لا شيء غيره معه. وأن ليس كمثله شيء.

إنها أحدية الوجود.. فليس هناك حقيقة إلا حقيقته. وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده. وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية.

وهي - من ثم - أحدية الفاعلية. فليس سواه فاعلا لشيء، أو فاعلا في شيء، في هذا الوجود أصلا. وهذه عقيدة في الضمير وتفسير للوجود أيضا..

فإذا استقر هذا التفسير، ووضح هذا التصور، خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلق بغير هذه الذات الواحدة المتفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية.

خلص من التعلق بشيء من أشياء هذا الوجود - إن لم يخلص من الشعور بوجود شيء من الأشياء أصلا! - فلا حقيقة لوجود إلا ذلك الوجود الإلهي. ولا حقيقة لفاعلية إلا فاعلية الإرادة الإلهية. فعلام يتعلق القلب بما لا حقيقة لوجوده ولا لفاعليته!

وحين يخلص القلب من الشعور بغير الحقيقة الواحدة، ومن التعلق بغير هذه الحقيقة.. فعندئذ يتحرر من جميع القيود، وينطلق من كل الأوهاق. يتحرر من الرغبة وهي أصل قيود كثيرة، ويتحرر من الرهبة وهي أصل قيود كثيرة. وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئا متى وجد الله ا ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعلية إلا لله ا

(الله الصمد) .. ومعنى الصمد اللغوي: السيد المقصود الذي لا يقضى أمر إلا بإذنه. والله - سبحانه - هو السيد الذي لا سيد غيره، فهو أحد في ألوهيته والكل له عبيد. وهو المقصود وحده بالحاجات، المجيب وحده لأصحاب الحاجات. وهو الذي يقضي في كل أمر بإذنه، ولا يقضي أحد معه.. وهذه الصفة متحققة ابتداء من كونه الفرد الأحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت