وقال - صلى الله عليه وسلم - لأحد الصحابة: (( قل ) )، قال: ما أقول؟ قال: (( قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمُسي وحين تصبح ثلاثًا تكفيك كل شيء ) )، وعن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، بم نجاة المؤمن؟ قال: (( يا عقبة، أخرس لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك ) )، قال: ثم لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابتدأني فأخذ بيدي فقال: (( يا عقبة بن عامر، ألا أعلّمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم ) )، قال: قلت: بلى جعلني الله فداك، قال: فأقرأني (( قُلْ هُوِ اللهُ أَحَدٌ ) )و (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) )و (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْنَّاسِ ) )، قال: فما نسيتهنّ منذ قال: (( لا تنسهنّ ) )، وما بتّ ليلة قطّ حتى أقرأهن. قال عقبة: ثم لقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال؟ فقال: (( يا عقبة، صِل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك ) ).
عباد الله:
سورة الإخلاص منهج للاتجاه إلى الله وحده في الرغبة والرهبة. في السراء والضراء. في النعماء والبأساء. وإلا فما جدوى التوجه إلى غير موجود وجودا حقيقيا، وإلى غير فاعل في الوجود أصلا ا!
ومنهج للتلقي عن الله وحده. تلقي العقيدة والتصور والقيم والموازين، والشرائع والقوانين والأوضاع والنظم، والآداب والتقاليد. فالتلقي لا يكون إلا عن الوجود الواحد والحقيقة المفردة في الواقع وفي الضمير.
ومنهج للتحرك والعمل لله وحده.. ابتغاء القرب من الحقيقة، وتطلعًا إلى الخلاص من الحواجز المعوقة والشوائب المضللة. سواء في قرارة النفس أو فيما حولها من الأشياء والنفوس. ومن بينها حاجز الذات، وقيد الرغبة والرهبة لشيء من أشياء هذا الوجود!
أسال الله أن يثبتنا وإياكم على الخير والصلاح
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه واشهد أن لا اله إلا الله تعضيما لشانه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه وعلى اله وأصحابه وجميع إخوانه..
وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفّيه ثم نفث فيهما وقرأ: (( قُلْ هُوِ اللهُ أَحَدٌ ) )و (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) )و (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْنَّاسِ ) )، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
هذه بعض الأحاديث المرغّبة في الإدمان على قراءة سورة الإخلاص، والسبب في ذلك أن هذه السورة قد جمعت معاني من اعتقدها حرّم الله عليه النار، ولأن هذه السورة وأختيها الفلق والناس حصن حصين من جميع ما يخشاه المؤمن ويحذره، فالإنسان في طبيعته البشرية يطرأ عليه الخوف، ويُصاب أحيانًا بشتّى أنواع المصائب والابتلاءات، ونحن العرب ـ وللأسف ـ لا زلنا نلجأ إلى السحرة والمشعوذين، ويتعلق كثير منّا بالأسباب الواهيات، ويترك الرجوع إلى كتاب الله الكريم. فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحافظ على قراءة المعوذتين والإخلاص عندما يأوي إلى فراشه، وما ذاك إلا درس لنا في أن نتحصّن بكتاب الله، ونتمسّك بهدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وزاد فضل الله علينا أن جعل هذه السور قصيرة، وكلماتها سهلة يسيرة، لا تتطلب منك جهدًا ولا عناءً، إنما المطلوب منك ـ أيها المؤمن ـ أن تدمن قراءتها؛ لتكون لك حصنًا من الأمراض النفسية والوساوس الشيطانية، وتكون بقراءتها قد استحضرت في قلبك أروع معان جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنشرها، ومن أجلها طُرد وعُذّب وأهين وشُرّد، بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعوهم بأن الله أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
عند قيادتك لسيارتك أو في أي وقت فراغ رطّب لسانك بذكر الله، وأكثِر في هذه الأوقات من قراءة المعوذتين والإخلاص، ودُم على ذلك، وستزداد في النور والبهاء.