فهرس الكتاب

الصفحة 20818 من 27345

أ. فتحي عبد الستار/ إسلام أون لاين

إن الاختلاف والتنوع سُنَّة حياتية وناموس طبيعي بين بني البشر، منذ خلق الله السموات والأرض، وهو مستمر ودائم إلى قيام الساعة. يقول ربنا عز وجل: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود: 118، 119] .

والاختلاف قد يكون محمودا وقد يكون مذموما، ولسنا مطالبين -كدعاة- بإلغاء الاختلافات بين الناس أو محوها، وتوحيد الناس على رأي واحد ومدرسة واحدة في النظر والتفكير، فذاك أمر مستحيل الحدوث، يناقض الفطرة، ويرفضه العقل السليم، ولكن ما يجب علينا فعله والاجتهاد فيه أن نعلِّم الناس كيف يختلفون، وكيف يديرون اختلافاتهم ويحولونها لما فيه خير الأمة جميعها. ويتحقق ذلك من خلال الإجابة الرشيدة على الأسئلة التالية:

علام نختلف؟ لماذا نختلف؟ كيف نختلف؟ متى نختلف؟ أين نختلف؟.

هذا، حتى لا نضيع أوقاتنا في مهاترات لن تنتج إلا المزيد والمزيد من الفُرقة في وقت نحن فيه أحوج ما نكون للوحدة والتعاون.

فحينما تحدث الفرقة والانشقاقات، ويسود إعجاب كل ذي رأي برأيه، علينا أن نستعين بالله عز وجل، ونحاول أن نقدم شيئًا بدلا من وقوفنا مكتوفي الأيدي، وقلوبنا تتمزق، ننتظر ما تئول إليه هذه الصراعات.

فتنة التدين!!

إنه من المحزن والمؤسف حقًّا، أننا بعد أن يمُنَّ الله سبحانه وتعالى علينا بنعمة الهداية إلى طريقه والالتزام بمنهجه، والسير على صراطه المستقيم، نجنح بأنفسنا ونبحر بها في ظلمات الحيرة من جديد، ويجد الشيطان -بعد أن ضيقنا عليه نسبيًّا مداخل المعاصي والذنوب- مدخلًا ذكيًّا يدلف منه لقلوبنا، وينفث فيها سمومه، تحت ستار الرغبة في إيجاد عمل دعوي فاعِل يرضي الله عز وجل.

وإنه عجيب والله أن نَنْحتَ من الإسلام -الذي جاء لينقذ الناس من الحيرة والضلالة- أدوات للفرقة والاختلاف وتقطيع الأواصر بين حامليه والمنتسبين إليه.

إن أعظم قوة يتمتع بها المسلمون، ويحققون بها النصر على أعدائهم، بعد قوة إيمانهم بالله عز وجل، هي قوة الإخاء والوحدة والترابط، وهي ما أرشد إليه ربنا سبحانه وتعالى بقوله: (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: 103-105] .

مفاهيم وقواعد

في البداية أحب أن أؤكد على عدة مبادئ ومفاهيم، أراها هامة جدّا وحاكمة في هذا السياق. والاتفاق عليها يقطع بنا شوطا كبيرا من الطريق. وهي وإن كانت تنزل في معظمها على الاختلاف الفقهي، إلا أنه يجوز تطبيقها أيضا على الاختلاف الفكري، وقد يكون لا فرق بين النوعين، حيث إن البعض يُرجع أسباب الاختلاف كلها إلى اختلاف الموارد الفقهية التي ينهل منها المختلفون.

تلك المبادئ هي:

1 -أن مذاهب الفقه والنظر ليست محصورة في المذاهب المعروفة، فقد كان قبلهم ومعهم وبعدهم أئمة عظماء وأساتذة أجلاء.

2 -أن الأئمة أصحاب المذاهب -رحمهم الله- لم يدعوا لأنفسهم العصمة، ولم يزعمها لهم أحد، فهم مجتهدون يتحرون الصواب من مجمل ما يتوافر لديهم من أدلة، ولهذا كانوا كثيرًا ما يرجعون عن آرائهم، ويختارون غيرها إذا ظهر لهم دليل صحيح يخالف ما قالوا به أولًا، وهذا هو سر ورود أكثر من رواية للمسألة الواحدة عن الإمام الواحد.

3 -الاختلاف بين الأئمة لا يدل على انفصام الدين وتناقضه، وليس هو اختلافًا في الأصول، وإنما هو في الفروع لا يضر، ولا بد منه، وهو كما قال علماء الحنفية: (هذا اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حُجة وبرهان) ، فالفتاوى تتغير بتغير الأزمان، وبظهور دليل لم يكن معروفًا في وقت إصدار الفتوى الأولى.

4 -ورد على ألسنة هؤلاء الأئمة ما يؤكد عدم تعصبهم لآرائهم الفقهية، وأنهم يدورون مع الحق والدليل حيثما دار، فمثلًا يقول الإمام أبو حنيفة: (هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه) ، وقال الإمام مالك: (إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة) ، وقال الإمام الشافعي: (إذا صح الحديث بخلاف قولي، فاضربوا بقولي عرض الحائط، وإذا رأيت الحُجَّة موضوعة على الطريق فهي قولي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت