فهرس الكتاب

الصفحة 23409 من 27345

مشكلة البطالة بين الواقع و المأمول (1-2) محمد أبو بكرالرحمنو*

لست أزعم حين أتحدث عن مشكلة عظيمة القدر مثل مشكلة البطالة أنني أقدم أسبابها الحصرية و لا أنني سأقدم الحلول الجذرية , و إنما أحسب أنني أطرحها من زاوية غير التي يدور حولها الكتاب و يدندن حولها الإقتصاديون تلك الدندنات التي تمثل حلولا غير عملية أو لعلها حلول غير مباشرة الأثر . و أحسب كذلك أننا قد أوغلنا في بحث المشكلات من النواحي النظرية , و أحسب أن كثيرا من الحلول المقدمة لا تمثل سوى أماني شمولية .

إن مشكلة البطالة في بلادنا شكلتها في الواقع مجموعة من العوامل , أهمها:

ثقافة الوظيفة:

إن كمّا كبيرا من الشباب يقف طموحه عند الحصول على وظيفة يذهب إليها صباحا و يعود منها ظهرا , و يقبض مرتبا ثابتا ينظم حاله و وضعه عليه , و يفضل أن تكون الوظيفة في شركة خاصة جيدة المرتب , و يفضل التوظيف في الحكومة من أجل الحصول على الخبرة و العلاقات و ربما بعض التسهيلات و الإمتيازات التي توفرها الوظيفة الحكومية من نحو السكن و الترحيل و العلاج و خلافه . هذه الميزة قد تنفع في الحصول على وظيفة ذات مرتب مجز في إحدى دول الخليج إذا سنحت للشاب الفرصة عن طريق شراء إقامة بواسطة أحد الأقارب أو التقديم عن طريق ( عمرة و زوغة ) أو عبر الإعلانات و مواقع الإنترنت , و حتى في الشركات الخاصة في الوظائف التي تتطلب خبرة .

إن هذه الثقافة - فيما أعتقد - ناتجة عن الأجيال السابقة التي كان الموظف فيها سيدا في قومه مبرزا و رائدا بينهم , هذا مع ما كان من عائد الوظيفة المجزي الذي شمل خيره القريب و البعيد و شاد البيوت , فكان حلم الكثيرين الحصول على الوظيفة , و ترادف معنى الوظيفة مع الإستقرار و الطمأنينة و الراحة النفسية هذا مع ما توفره قوانين العمل من حماية للموظف و حقوق و إمتيازات .

إن هذه الثقافة لها دور عظيم في تكبيل الطموحات و وأد المبادرة و روح التحدي و التقليل من قدر الأعمال المهنية و تحطيم الحماسة في مواجهة الصعاب .

فلا بد إذا من إعادة صياغة ثقافة العمل و الإنتاج , و يمكن أن يتم ذلك عبر الآتي:

أ - المناهج الدراسية .

ب - الحد من شخصنة الوظائف العامة , بحيث لا يكون الموظف متحكما بإطلاق في مصالح المواطنين في ولايته , فيهب من يشاء و يمنع من يشاء , فلا بد من أسس محاسبة شديدة و دقيقة للموظف حتى لا يظن الناس سهولة الوظيفة و خفة مسئوليتها , و لا بد من أن يكون تعامل الموظف وفق لوائح واضحة و محددة و معلنة .

ج- إبراز أهمية النشاطات الإقتصادية المختلفة - سوى الوظيفة - في دفع التنمية العامة و إعالة الأسر و العوائل و إكتساب الدخل المجزي .

د- بث الأفكار الإستثمارية البسيطة , و التي يمكن أن تكون مدخلا لحياة عملية و منتجة بعيدا عن الوظيفة .

ه- إعلاء قدر العمل الفني و المهني و تشجيعه .

إن هذه النقاط و غيرها كثير , يمكن أن تسهم و بشكل فاعل في تغيير ثقافة التقوقع حول الوظيفة و إصلاح المفاهيم المتعلقة بها , و أرجو أن تمثل هذه الإشارة البسيطة بذرة للإهتمام بالدراسات الإجتماعية و النفسية و السلوكية حول ثقافة الوظيفة و مدى تأثيرها في مشكلة البطالة و كيفية معالجتها .

قوانين العمل:

إن قوانين العمل السائدة هي في غاية الظلم لصاحب العمل , حيث تفرض عليه فروضا كثيرة و متنوعة مما يؤدي إلى عزوف المخدمين عن الإستخدام المستقر خاصة في الأعمال الدنيا , بل و ربما الإستغناء عن الكثير من الوظائف غير المهمة و التي تشكل لهم إلتزاما ماليا و حقوقا متراكمة للعاملين , مما ييؤدي كذلك إلى الإستغناء عن بعض العاملين قبل تقدمهم في مستويات الوظيفة حتى لا تتكاثر حقوقهم .

من جانب آخر فإن حقوق الموظف القانونية تمثل ضغطا على صاحب العمل حيث لا يمكنه الإستغناء عن الموظف إلا بمصروفات عالية مما يجعله يتحايل على القوانين بالقوانين الأخرى , فيحرصون على إستخدام العاملين بأدنى المرتبات حتى لا تتكاثر حقوقهم و حتى لا يترتب على التخلي عنهم حقوق مالية .

إن مما لا بد منه من أجل محاربة البطالة إلغاء قوانين العمل السائدة حاليا بحيث لا يكون حاكم العلاقة بين المخدمين و المستخدمين هو الإتفاق الحر و عقودات العمل , و قد يخاف البعض إستغلال بعض المؤسسات و المخدمين قوتهم في المساومة من أجل إهدار حقوق العاملين و إستغلالهم بأسوأ الشروط , لكن إذا حدث هذا فلن يدوم بكل تأكيد للآتي:

أ - هناك أصلا مؤسسات شروط خدمتها مجزية للغاية كما هو معلوم و أعلى من المتوسط السائد .

ب - الشروط المجحفة ستؤدي إلى نفور الخبرات و الكفاءات إلى جهات أفضل , مما يضطر هذه المؤسسات إلى تحسين شروط خدمتها إذا كانت ترغب في الإستمرار و النجاح .

ج- المحافظة على العدالة و الحقوق من واجبات الدولة , بحيث يستحق كل عامل أجر المثل في أي جهة يعمل فيها من دون شروط , و يحصل على حقوقه الشرعية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت