فهرس الكتاب

الصفحة 23315 من 27345

مسائل في التداوي والرقى

محمد بن عبد الله الصغير

يبحث علم الطب في تركيب جسم الإنسان ووظائف أعضائه بحثًا دقيقًا، بدءًا من الخلية (وهي أصغر وحدات التركيب في جسم الإنسان) ، فالأنسجة (وهي مجموعة خلايا ذات وظائف مشتركة) فالأعضاء كـ (القلب والكبد والكلى) فالأجهزة الوظيفية (وهي مجموعة أعضاء ذات وظيفة مشتركة كالجهاز الهضمي مثلًا) ، فيبين الطب حكمتها ودورها في حال الصحة وخطر ضررها في حال المرض، ويبحث في طرق الوقاية والعلاج.

أما الحكمة الكبرى والغاية العظمى من خلق الإنسان بأكمله فهي من مباحث الاعتقاد المهمة التي لا يهتم بها الطب.

وقد بين الله ـ تعالى ـ الحكمة التي من أجلها خلق المكلفين بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (1) [الذاريات: 56] .

الأصل في حالة الإنسان الصحة والعافية، وأما المرض فطارئ، سواء كان جسديًا أو نفسيًا، وسواء طرأ قبل الولادة (خلال تخلُّق الجنين في الرحم) أو أثناءها أو بعدها.

والمرض من جملة المصائب التي تصيب العباد بقضاء الله ـ تعالى ـ وقدره كما قال ـ تعالى ـ: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}

[الحديد: 22] .

والله ـ تعالى ـ لا يخلق شرًا محضًا بل كل ما يخلقه فيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي أو شر مطلق، فالرب منزه عنه؛ وهذا الشر ليس إليه، وأما الشر الجزئي الإضافي فهو خير باعتبار حكمته (2) .

* التداوي مأمور به شرعًا:

قال صلى الله عليه وسلم: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل» (3) .

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء» (4) .

وقال صلى الله عليه وسلم: «نعم يا عباد الله! تداووا؛ فإن الله ـ عز وجل ـ لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم» (5) .

قال الشاطبي: «وقد تكون المشقة الداخلة على المكلف من خارج لا بسببه، ولا بسبب دخوله في عمل تنشأ عنه؛ فههنا ليس للشارع قصد في بقاء ذلك الألم وتلك المشقة والصبر عليها، كما أنه ليس له قصد في التسبب في إدخالها على النفس، غير أن المؤذيات والمؤلمات خلقها الله ـ تعالى ـ ابتلاء للعباد وتمحيصًا، وسلطها عليهم كيف شاء ولما شاء فـ {لا يٍسًأّلٍ عّمَّا يّفًعّلٍ وهٍمً يٍسًأّلٍونّ} [الأنبياء: 32] ، وفهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق، رفعًا للمشقة اللاحقة، وحفظًا على الحظوظ التي أذن لهم فيها» (6) .

* التداوي لا يعارض التوكل:

قال ابن القيم: «وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضياتٍ لأسبابها قدرًا وشرعًا، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة، وفيها رد على من أنكر التداوي وقال: إن كان الشفاء قد قدّر فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قدر فكذلك» (1) .

وسئل ابن باز ـ رحمه الله ـ عمن يحتج على ترك الأسباب بحديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فأجاب: «هؤلاء السبعون ما تركوا الأسباب، وإنما تركوا شيئين هما: الاسترقاء والكي، والاسترقاء: هو طلب الرقية من الناس... وقد كوى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعض أصحابه لما دعت الحاجة إلى الكي؛ لأنه سبب مباح عند الحاجة إليه ولا كراهة في ذلك، وهكذا بقية الأسباب المباحة كالأدوية المباحة من إبر وحبوب وشراب وغير ذلك» (2) .

وقال ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ: «ففعل الأسباب لا ينافي التوكل إذا اعتقد الإنسان أن هذه الأسباب مجرد أسباب فقط لا تأثير لها إلا بإذن الله تعالى؛ وعلى هذا فالقراءة (قراءة الإنسان على نفسه، وقراءته على إخوانه المرضى) لا تنافي التوكل، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرقي نفسه بالمعوذات، وثبت أنه كان يقرأ على أصحابه إذا مرضوا، والله أعلم» (3) .

* حكم التداوي قبل وقوع الداء:

قال الشاطبي ـ في كلامه عن المؤلمات والمؤذيات ـ: «وفهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق، رفعًا للمشقة اللاحقة، وحفظًا على الحظوظ التي أذن لهم فيها، بل أذن في التحرز منها عند توقعها وإن لم تقع، تكملة لمقصود العبد وتوسعة عليه، وحفظًا على تكميل الخلوص في التوجه إليه والقيام بشكر النعم؛ فمن ذلك الإذن في دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد، وفي التداوي عند وقوع الأمراض، وفي التوقي من كل مؤذ، آدميًا كان أو غيره، والتحرز من المتوقعات حتى يقدم العدة لها، وهكذا سائر ما يقوم به عيشه في هذه الدار من درء المفاسد وجلب المصالح» (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت