د. يوسف بن أحمد القاسم 24/12/1426
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد تميز عصرنا الحاضر بالتقدم التقني في مجالات عديدة، ومنها التقدم في المجال الإعلامي، وتنوع وسائل الاتصال الحديثة، وقد كان لهذه التقنية الحديثة جوانب إيجابية كثيرة وأخرى سلبية.
ومن جوانبها الإيجابية -ولا شك- توظيف هذا الإعلام في خدمة العلم الشرعي، بأسلوب التعليم، أو الإفتاء، أو نحو ذلك مما لا يخفى، مما أدى إلى تذليل الكثير من العقبات، وتيسير العديد من الصعاب، حيث أصبح العلم يصل بكل يسر وسهولة إلى فرد الأسرة وهو في بيته، وإلى السائق وهو في سيارته، وإلى الموظف وهو في عمله، وإلى التاجر وهو في متجره، وهذا بخلاف ما كان عليه الحال في أزمنة سابقة، حيث كان المستفتي يرحل -أحيانًا- من أجل مسألة، كما ذكر ذلك الخطيب البغدادي (ت 462هـ) في الفقيه والمتفقه (2/375) حيث قال:"أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محله وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره، فقد رحل غير واحد من السلف في مسألة"أهـ.
وبكل حال، فإن البرامج المشار إليها، مع ما فيها من فوائد جمة، ومصالح راجحة، إلا أنها كانت سببًا في بث العديد من الفتاوى المختلفة في المسألة الواحدة، مما أدى إلى وقوع اللبس لدى العامة، حتى كثر سؤالهم عن موقف المستفتي من هذا الخلاف، هل يأخذ برأي الجمهور، أم بالرأي الأشد؛ لأنه الأحوط، أم بالرأي الأخف؛ لأنه الأيسر،...أم ماذا؟
وقبل الإجابة على هذا التساؤل، أمهِّدُ له بالتنبيهات الآتية:
التنبيه الأول: أنه يجب على العامي أن يستفتي من يثق به ممن يغلب على ظنه أنه من أهل العلم والدين، كما أشار إلى ذلك ربنا عز وجل إذ يقول: (فاسألوا أهل الذكر...) أي: أهل العلم. ولهذا قال ابن سيرين -رحمه الله-:"إن هذا العلم دين فلينظر أحدكم عمن يأخذه".
قال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (2/376) :"وإذا قصد أهل محله للاستفتاء، فعليه أن يسأل من يثق بدينه، ويسكن إلى أمانته عن أعلمهم وأمثلهم، ليقصده ويؤم نحوه، فليس كل من ادعى العلم أحرزه، ولا كل من انتسب إليه كان من أهله". أهـ.
وبناء عليه، فإنه لا يصح أن يستفتي العالم إذا كان فاسقًا، ولا العابد إن كان جاهلًا ولو كان إمامًا لمسجد أو جامع، ولا أن يستفتي طالب العلم في بابٍ لا يحسنه، فلا يُسأل -مثلًا- في باب المعاملات المالية المعاصرة من لا يحسن فهمها، أولا يدرك واقعها، أو لا يحيط بتفاصيلها المؤثرة في الحكم، ولو كان عالمًا شهيرًا، يقصده العامة لشهرته لا لعلمه، كما حذر من ذلك العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين (6/119) حيث قال:"وهذا الضرب إنما يستفتون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية، قد غرهم عكوف من لا علم عنده عليهم، ومسارعة أجهل منهم إليهم، وتعج منهم الحقوق إلى الله تعالى عجيجًا، وتضج الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا، فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهل، فتيا، أو قضاء، أو تدريس، استحق اسم الذم، ولم يحل قبول فتياه ولا قضائه، هذا حكم دين الإسلام"أهـ.
وهذا الكلام القيم من ابن القيم -رحمه الله- يجرنا إلى التنبيه الثاني وهو: أنه لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا علم المستفتي أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه لو كان خصمًا قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-"فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار"متفق عليه.