فهرس الكتاب

الصفحة 5562 من 27345

يتناول الدرس الإجابة عن السبب الذي أدى بالمسلمين إلى هذه الحالة المزرية السيئة، والوضع المهين المخزي، والسر في وصولهم إلى هذا الدرك المنحط من الذل، كما يتناول العلاج والدواء- من وجهة نظر الشيخ- ؛ لنتمكن من النجاة من هذا الذل والشقاء .

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.. أما بعد؛ فنحن اليوم في زمن وصل فيه المسلمون إلى حد ـ لا يمكن أن يصل إلى أسوأ منه مسلم يؤمن بالله ورسوله ـ من الذل والاستعباد من الآخرين؛ ولذلك، ولشعور كل منا بما نزل بنا من هذا الذل المخيم على جميع البلاد الإسلامية نتساءل دائمًا وأبدًا عن السبب الذي أدى بالمسلمين إلى هذه الحالة المزرية السيئة، والوضع المهين المخزي، والسر في وصولهم إلى هذا الدرك المنحط من الذل، كما نتساءل عن العلاج والدواء؛ لنتمكن من النجاة من هذا الذل والشقاء.. ثم تتنوع الآراء وتتعدد الملاحظات، وكل يأتي بمنهج أو سبيل يرتئيه لحل هذه المشكلة، ومعالجة هذه المعضلة.

وأنا أرى أن هذه المشكلة قد ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام، ووصفها في بعض أحاديثه الثابتة عنه، وبيّن علاجها، ومن هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: [إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ] رواه أبوداود وأحمد . فنجد في هذا الحدث ذكر المرض الذي شاع حتى أحاط بالمسلمين، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم نوعين من المرض على سبيل التمثيل لا التحديد.

من أمراض المسلمين:

النوع الأول: هو وقوع المسلمين في بعض المحرمات بالاحتيال عليها وهم على علم بها: وهذا كامن في قوله عليه الصلاة والسلام: [إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ] فالعينة: نوع من البيع يشير هذا الحديث إلى تحريمه، ولكن بعض الناس رأوا إباحة ذلك؛ لأنها وضعت في باب البيع والشراء، واستدلوا على ذلك بالعمومات التي تدل على جواز البيع؛ كمثل الآية المشهورة: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [275] 'سورة البقرة' فقالوا: هذا بيع وشراء، فلا بأس أن يزيد أو ينقص !

ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو أولًا: مبين للناس؛ كما قال ربنا تبارك وتعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [44] {'سورة النحل' وهو ثانيًا: كما وصفه ربنا تبارك وتعالى بقوله: } بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [128] 'سورة التوبة' فمن رأفته ورحمته بنا عليه الصلاة والسلام؛ أن نبهنا على مكامن احتيال الشيطان على بني الإنسان، وحذرنا أن نقع في أحابيله في أحاديث كثيرة جدًا، منها ما نحن الآن في صدده، فقال عليه الصلاة والسلام: [إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ] أي: إذا استحللتم ما حرم الله ورسوله بأدنى الحيل باسم أن هذا بيع، والحقيقة أنه ستار، وأنه استدانة مقابل زيادة، وهذا ربًا مكشوف، فحذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من أن نقع في مثل هذا الاحتيال لاستحلال ما حرم الله، فذلك أخطر من أن يقع المسلم في الحرام وهو يعلم أنه حرام؛ لأنه يرجى له يومًا ما أن يعود إلى ربه ويتوب؛ لأنه على علم بأن ما يفعله حرام.

أما إذا كان قد زُيَّنَ له سوء عمله لسبب من الأسباب؛ إما بالتأويل الخطأ أو بالجهل البالغ، فظن أن عمله لا شيء فيه، فبدهي أن لا يخطر في باله يومًا ما أن يتوب إلى الله، فكان خطر المُحَرَّم المُسْتَحَلِّ فكريًا واعتقاديًا أشدّ بكثير من المُحَرَّم المكشوف، فالذي يأكل الربا، ويعلم أنه ربا، ويعتقد أنه ربا؛ هذا ـ مع أن يحارب الله رسوله كما في نص الآية ـ خطره في النتيجة أيسر من ذلك الذي يأكل الربا وهو يعتقد أنه إنما يأكل حلالًا، هذا كمثل الذي يشرب المسكر ويعتقد أنه حرام، فيرجى أن يتوب إلى الله، أما الذي يشرب المسكر، وهو يعتقد لسبب ما أنه شراب حلال؛ فهذا أخطر من ذاك؛ لأنه لا يتصور أن يتوب عنه أبدًا ما دام يسيء فهم حكم هذا الأمر.

والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ذكر بيع العينة ـ كما ذكرنا في مطلع الكلام ـ على سبيل التمثيل لا على سبيل التحديد، فيشير إلى أن كل حرام يرتكبه المسلم مستحلًا له بطريقة ما من طرق التأويل؛ فهذا من نتائجه أن يذله الله عز وجل، ويذل بسببه المسلمين إذا فشا فيهم وشاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت