فهرس الكتاب

الصفحة 5563 من 27345

النوع الثاني: ثم ذكر النوع الثاني من الأشياء التي يشترك الناس كلهم في معرفة مخالفتها للشريعة، فقال: [إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ] أي: انشغلتم بالسعي وراء حطام الدنيا، تحصيل الرزق باسم أن الله أمرنا بالسعي وراء الرزق، فيبالغ المسلمون في ذلك، وينسون ما فرض الله عليهم من الفرائض، ويلتهون بالسعي وراء الزرع والضرع، وما شابه ذلك من المكاسب، فينسيهم ذلك ما فرض الله عليهم من الواجبات، وذكر على سبيل المثال الجهاد في سبيل الله؛ فقال عليه الصلاة والسلام: [إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ] .

هذا الحديث من أعلام النبوة، فقد تحقق فينا هذا الذل؛ فيجب علينا أن نأخذ العلاج من هذا الحديث بعد أن وصف المرض، وما سيثمر هذا المرض من ذلك، فقد تمسكنا بالأدواء، وأدت بنا إلى المرض، ألا وهو الذل، فعلينا إذن أن نعود إلى تطبيق الدواء الذي وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام، وصرح بأنه إذا رجعنا إليه رفع الله عنا هذا الذل.

والناس يقرأون هذا الحديث، ويسمعون كثيرًا قوله صلى الله عليه وسلم: [ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ] فيظنون أن الرجوع إلى الدين أمر سهل، أما أنا فأرى أن الرجوع إلى الدين يحتاج ـ كما يقال عندنا ـ إلى [هز أكتاف] ، وذلك لأننا جميعًا نعلم أن هذا الدين قد أصيب بمحاولات كثيرة لتغيير حقائق كثيرة منه، وقد استطاع بعضهم أن يصل إلى مثل ذلك التغيير أو التحريف، فبعض هذا التغيير معروف لدى كثير من الناس، وبعضه ليس كذلك؛ بل على العكس من ذلك عند جماهير الناس فهناك مسائل ـ بعضها اعتقادية وبعضها فرعية فقهية ـ يظنون أنها من الدين، وهي ليست من الدين في شيء .

كيف يرجع المسلمون إلى دينهم؟

وهو العلاج الذي نص الرسول عليه الصلاة والسلام على أنهم إن أخذوه؛ رفع الذل عنهم؛ وإلا فلا: [إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ] إذًا: العلاج الوحيد هو الرجوع إلى الدين؛ لذلك فأنا أرى أن أي إصلاح ـ يجب أن يقوم به الدعاة إلى الإسلام، والناشدون لإقامة دولة الإسلام بإخلاص ـ هو أن يعودوا إلى أن يفهموا أولًا أنفسهم، ويفهموا الأمة ثانيًا: الدين الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك لا سبيل إليه ـ فيما أعتقد اتفاقًا بين جميع الفقهاء بأنه لا سبيل إلى الرجوع إلى فهم الدين على الحقيقة التي أنزلها الله عز وجل ـ إلا بدراسة الكتاب والسنة، ولا جرم أن الأئمة رحمهم الله حذروا أتباعهم الأولين الذين كانوا على علم من أن يتبعوهم، وأن يقلدوهم، ويجعلوهم الأصل في الرجوع، وينسوا بذلك أصل الشريعة: الكتاب والسنة.

ولستم بحاجة جميعًا إلى أن نسوق لكم أقوال الأئمة التي تدندن كلها حول الكلمة التي صحت عنهم جميعًا: [إذا صح الحديث فهو مذهبي] . فحسبنا هذا القول منهم الآن، فهذا دليل على أن كل إمام من أولئك الأئمة نصح نفسه، ونصح أمته وأتباعه حينما أمرهم بأن يرجعوا إلى الحديث إذا كان مخالفًا لاجتهاده ورأيه.. فهذا إذًا يفتح الطريق ـ حتى باسم تقليد الأئمة ـ للرجوع إلى الكتاب والسنة.

مسائل تخالف السنة الصحيحة:

فنذكر بعض الأمثلة ـ وهي لا تزال موجودة في كتبنا تدرس في كل المدارس الشرعية والكليات وما شابه ذلك ـ: في أحد المذاهب الإسلامية: أنّ المصلي إذا دخل في الصلاة يسدل يديه ولا يقبض. لماذا؟! هكذا المذهب! بينما جهد كل علماء الحديث بأن يأتوا بحديث واحد ولو ضعيف ـ بل ولو موضوع ـ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يقبض بيده اليمنى على اليسرى إذا وقف يصلي، هذا لا وجود له، فهل هذا هو الإسلام؟ أنا أعرف أن البعض سيقول: إن هذا من المسائل الفرعية. وقد يتساهل بعضهم في التعبير فيقول: هذا من التوافه. وأنا أعتقد أن كل شيء جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما له علاقة بالدين والعبادة؛ فليس من توافه الأمور.

نحن نعتقد أن كل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام يجب أن نتبناه دينًا أولًا؛ مع وزنه بأدلة الشريعة؛ إن كان فرضًا ففرض؛ وإن كان سنة فسنة، أما أن نسميه أمرًا تافهًا أو قشورًا؛ لأنه مستحب! فهذا ليس من الأدب الإسلامي في شيء إطلاقًا؛ لاسيما وأن اللب لا يمكن أن نحافظ عليه إلا بالمحافظة على القشر، أقول هذا لو أردت أن أجادلهم باللفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت