فهرس الكتاب

الصفحة 5564 من 27345

هذا المثال البسيط ـ وهو السدل في الصلاة ـ؛ لماذا يستمر المسلمون على العمل به، والأحاديث تترى في كل كتب السنة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبض؟! ليس هناك إلا التقليد والجمود على مخالفة الأئمة في قولهم: [إذا صح الحديث فهو مذهبي] .

قد لا يرضى هذا المثال البسيط بعض الناس، فنذكر مثالًا آخر، وهو:

أن بعض كتب فقه المذاهب ما زالت تذكر بأن الخمر قسمان: قسم منبسط من العنب؛ فهذا قليله وكثيره حرام، وقسم آخر مستنبط من غير العنب: من الشعير، أو من الذرة، أو من التمر، أو غير ذلك مما تفنن اليوم الكفار في استنباط الخمر منه، فهذا النوع من الخمر ليس كله حرامًا؛ وإنما الذي يسكر منه فقط فهو حرام ! لماذا لا يزال هذا القول مسطورًا ؟! وقد يدافع عنه بعض الناس بألوان من الدفاع! لا لشيء؛ إلا أن إمامًا من أئمة المسلمين اجتهد فقال هذا القول! مع أننا جميعًا ـ على اختلاف مذاهبنا ومشاربنا ـ نقرأ في كتب السنة وبالأسانيد الصحيحة قوله عليه الصلاة والسلام: [مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ] رواه الترمذي وابن ماجه وأبوداود وأحمد. وقوله: [ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ] رواه مسلم .

لماذا يظل مثل هذا القول الخطير الذي يشجع الناس ـ الذين هم على شفا حفرة من الفسق، أو قد وقعوا فيها فعلًا ـ ويزين لهم شرب القليل من خمر غير العنب؛ بحجة أن الإمام الفلاني ـ وهو عالم فاضل ـ قال هذا ؟ يا للحجة! نحن نعتقد أنه عالم فاضل، ولكن الفرق أننا لا ننسى أنه غير معصوم عن الخطأ، وهم يتناسون هذه الحقيقة، فيظلون يدافعون عن هذه الكلمة، فبعضهم يستغل هذا القول ينشر المادة المسكرة بين المسلمين، وبعضهم يدافع عن الإمام لا عن القول.

لماذا يبقى مثل هذا القول في كتب الفقه مع مصادمته الأحاديث القاطعة الدلالة والثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في إبطال مثل هذا القول ؟!! لماذا نجبن أن نقول: إن إمامًا من أئمة المسلمين أخطأ في مسألة، أو في اجتهاد، أو في رأي له، فيؤخر أجرًا واحدًا بدل أن يؤجر أجرين؟! لماذا لا تقول هذا أولًا كمبدأ، وثانيًا كتطبيق لبعض الفروع، ومنها هذا الفرع الذي نحن في صدده؟!

الجواب: لأنه قد ران علينا، وفي قلوبنا تقديس الأئمة واحترامهم أكثر مما أوجب الله علينا.

ونحن نؤمن بقول الرسول عليه الصلاة والسلام لنا: [لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمَ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفَ لِِعَالِمِنَا حَقَّهُ] صحيح الجامع [5443] . هذا مما حض عليه الرسول عليه الصلاة والسلام المسلمين أن يعرفوا حق العالم، ولكن هل من حق العالم أن نرفعه إلى مستوى النبوة والرسالة، حتى نعطيه العصمة بلسان حالنا ؟! فلسان الحال أنطق من لسان المقال .

إذا كان علينا أن نحترم العالم ونقدره حق قدره، وأن نقلده حينما يبرز لنا الدليل؛ فليس لنا أن نرفع من قوله، ونضع من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا أن نؤثر قوله على قول الرسول عليه الصلاة والسلام!

مثال آخر: مثلًا في النكاح لا يزال هذا الحكم باقيًا على أنه رأي إسلامي محترم؛ فلا يزال يُقضي بأن البنت المسلمة البالعة الراشدة لها أن تزوج نفسها بنفسها دون إذن وليها؛ مع تصريح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: [أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ] رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه والدارمي وأحمد. فهذا الحديث غير معمول به، وذاك القول معمول به ومقضي به . وقد يقول بعض الناس: ألم يفهم الحديث أحدٌ إلا أنت ؟!

وأقول: هذا الحديث قد أخذ به أفهم الأئمة باللغة العربية وأساليبها؛ ألا وهو الإمام الشافعي، فليس هو رأيًا لإنسان يُعرف أصله أنه من ألبانيا؛ ولكن هذا الألباني وجد حديثًا، ووجد فهمًا لإمام وهو إمام قرشي مطلبي. ثم لماذا تُرك هذا الرأي الصحيح المقرون بهذا الحديث الصحيح لرأي إمام آخر من أئمة المسلمين ؟! إن اجتهاد الإمام على رءوسنا، ولكن الاجتهاد له قيمة حينما لا يتعارض مع النص المعصوم من الكتاب والسنة.

فكلنا يقرأ في كتب الأصول قولهم: [إذا ورد الأثر بطل النظر] ، [لا اجتهاد في مورد النص] ، كل هذه القواعد المعروفة علميًا، فلماذا لا نهتم بتطبيق هذه القواعد عمليًا، ونظل نتمسك ببعض الفروع المخالفة للسنة ؟!

فإذا أردنا أن نأخذ بالعلاج الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن وصف المرض: [ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ] فهل الرجوع إلى الدين هو فقط باللسان؛ أم هو بالاعتقاد والعمل ؟!

إن كثيرًا من المسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهم لا يلتزمون لوازم هاتين الشهادتين، وهذا بحث طويل؛ فكثير من المسلمين اليوم لا يعطون [لا إله إلا الله] حقها من التفسير،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت